لم يكن مهرجان حلّالة لفن القول، في دورته الثانية بمدينة القنيطرة (26–27–28)، مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل كان أشبه بـ موقد دافئ أُشعل في فصل شتاء البرد والمطر، فاجتمع حوله عشّاق الكلمة، ودفئت الأرواح بفنون القول شعراً وسرداً وموسيقى وفكراً.
منذ الجلسة الافتتاحية، بدا واضحًا أن المهرجان اختار طريق الصدق الثقافي.
افتتح الفنان الكبير حسن براح الخير الأمسية بنفَس موسيقي رفيع، تلاه خطاب يشي بالوعي بدور الثقافة وأهميتها، قبل أن تنفتح الخشبة على لحظات كوميدية، أخرجت الضحكة من رحم الذاكرة الشعبية، وأعادت التوازن بين الجدّ والاحتفال.
وكان التكريم الذي خُصص لإيقونة الشعر المغربي الدكتورة مليكة العاصمي لحظةً مفصلية، لا لأن الاسم كبير فحسب، بل لأن المقام كان يليق به.
تعاقبت الشهادات الصادقة، وتجاورت القصيدة المعربة مع الكلمة الزجلية، في مشهد يؤكد أن الشعر المغربي نهر متعدد الروافد، لكنه واحد المنبع.
في الجلسة الصباحية، تحوّل المهرجان إلى مختبر للقراءة والنقاش، حيث فُتحت تجربة الأديب إدريس الصغير على مشرحة النقد المحب، لا القاسي.
شهادات ودراسات، وحوار حي بين المبدع وجمهوره، كشف أن الكتابة ليست طقسًا مغلقًا، بل حياة تُروى، وقناعات تُدافع عن نفسها بالصدق لا بالادعاء.
في المساء، استعادت الكلمة جناحيها عبر الموسيقى.
صوت إيمان بن يحيى، رفقة الكمان والعود، لم يكن مجرد أداء غنائي، بل عبورًا إلى منطقة شفافة، حيث يصير اللحن شقيق المعنى.

بعدها، دخل الفكر على الخط بندوة حول التجربة الغيوانية، تلك الظاهرة التي ما تزال قادرة على إشعال الاختلاف المنتج، وإثبات أن الأسئلة الكبرى لا تشيخ.
الجلسة الختامية، أعادت الشعر إلى مركز الدائرة.
أصوات متعددة، تجارب مختلفة، وشاعرة مُكرّمة تتابع وتعلّق وتطمئن: الحبل الشعري ما يزال مشدودًا بين سلف وخلف، ولم ينقطع.
وخارج القاعات، كتب المهرجان إحدى أجمل لحظاته الإنسانية بزيارة «البيت الفيتنامي»، حيث التقت زهرة اللوتس بزهرة حلّالة، وتحوّل التعدد الثقافي إلى عناق عائلي صادق، يُبشّر بأفق ثقافي يحتفي بالاختلاف داخل الوحدة.
هكذا انتهى مهرجان حلّالة لفن القول، لا كنهاية، بل كوعد من مؤسسه الزجال عبد الرحمان فهمي.
وعد بأن الكلمة، حين تُقال بصدق، تظل قادرة على جمع الناس حول معناها..
وعد على أن مهرجان حلّالة لفن القول، سيواصل الوفاء لرسالة إشعال موقد الدفء، حتى في أقسى فصول البرد ..
وعد بالحرص على أن تؤدي الثقافة وظيفتها الأسمى..
وعد بأن تُنقذ الكلمة الدافئة المعنى من التجمد…
*فاطمة السوسي-le12
