شهد مسار الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تحولاً لافتاً، حيث انتقل المشهد من حافة المواجهة العسكرية الشاملة إلى اختبار مسار تفاوضي محدود زمنياً، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب موافقته على هدنة لمدة أسبوعين.
هذا التحول، الذي جاء في لحظة بلغت فيها القلوب الحناجر، يضع المنطقة أمام مفترق طرق حاسم، إذ يرهن ترامب استمرار هذا المسار بموافقة طهران الفورية والكاملة على فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه، مما يعكس رغبة واشنطن في تحييد سلاح “الممرات البحرية” قبل الدخول في أي نقاشات أعمق.
وتبرز ملامح هذا التطور في الدور المحوري الذي لعبته باكستان، حيث كشف ترامب أن قراره جاء استجابة لمبادرة قادها رئيس الوزراء شهباز شريف والمشير عاصم منير.
وتعكس هذه الوساطة النشطة قدرة إسلام آباد على التحرك في المنطقة الرمادية بين الخصمين، مستغلة قنواتها السياسية والعسكرية لفتح ثغرة في جدار التصعيد، مما منح الدبلوماسية الباكستانية موقعاً استراتيجياً في إدارة الاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران في توقيت كان فيه خيار القوة هو الأعلى صوتاً.
وعلى الرغم من نبرة التهدئة، يظل شرط فتح مضيق هرمز حجر الزاوية في المقاربة الأميركية، نظراً للأهمية الجيوسياسية لهذا الممر الذي يغذي أسواق الطاقة العالمية بنحو خُمس إمدادات النفط.
ويرى مراقبون أن إشارة ترامب إلى تجاوز الأهداف العسكرية المحددة تعكس محاولة لتصدير صورة “المنتصر” الذي يمنح فرصة للسلام من موقع قوة، خاصة مع حديثه عن تطلع الإدارة الأميركية لصياغة ترتيبات أوسع تضمن سلاماً طويل الأمد في الشرق الأوسط، متجاوزاً بذلك مجرد الرغبة في خفض التصعيد اللحظي.
وفي إشارة إلى وجود حراك تحت الطاولة، أقر البيت الأبيض بتسلم مقترح إيراني مكون من عشر نقاط، وصفه الرئيس الأميركي بأنه أساس عملي للبناء عليه.
ومع ذلك، لا تزال الفجوة بين الطرفين تتسع عند تفاصيل التنفيذ؛ فبينما تسعى واشنطن لهدنة مرحلية تضمن أمن الملاحة أولاً، تتمسك طهران بربط فتح المضيق باتفاق شامل يوقف كافة العمليات الأميركية والإسرائيلية ضدها، وهو ما يضع الهدنة المقترحة أمام اختبار حقيقي حول مدى قدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة خلال الـ 14 يوماً القادمة.
إن هذا التحول المفاجئ من التهديد بضرب البنية التحتية الإيرانية إلى الحديث عن المقترحات التفصيلية يوضح تعقيد الحسابات الميدانية والسياسية، حيث يبدو أن كلفة المواجهة الشاملة دفعت الجميع نحو “تجميد الصراع” مؤقتاً.
وسيكون الأسبوعان القادمان بمثابة فترة حضانة لاتفاق محتمل قد يعيد صياغة أمن الممرات البحرية والنفوذ الإقليمي، أو قد ينتهي الأمر بالعودة إلى مربع التصعيد الأول إذا ما اصطدمت الشروط الأميركية بـ”اللاءات” الإيرانية، في ظل توازن هش لا يزال يفتقر إلى ضمانات نهائية.
Le12.ma
