يشير تقرير صادر عن مركز برشلونة للشؤون الدولية (CIDOB) إلى أن روسيا والصين لا تنظران إلى ملف الصحراء باعتباره قضية استراتيجية كبرى تستحق الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل تعتبرانه نزاعاً إقليمياً ثانوياً لا يبرر التصعيد أو المغامرة بمصالح أوسع، حتى وإن كان ذلك لصالح الجزائر.

ويعكس هذا التقدير مقاربة تقوم على الواقعية السياسية وموازنة المصالح بعيداً عن الاعتبارات الأيديولوجية أو الاصطفافات التقليدية.

أولوية المصالح الكبرى على النزاعات الإقليمية

في سياق التنافس الدولي المتصاعد بين القوى الكبرى، تحرص كل من موسكو وبكين على تحديد ساحات المواجهة بعناية. فبالنسبة لروسيا، تنصب الأولوية على ملفات تعتبرها حيوية لأمنها القومي ونفوذها المباشر، مثل أوروبا الشرقية والفضاء السوفياتي السابق.

أما الصين، فتركز على قضايا بحر الصين الجنوبي، وتايوان، والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي مع واشنطن.

ضمن هذا المنظور، لا يشكل نزاع الصحراء ساحة حاسمة في ميزان القوى العالمي. ورغم العلاقات الوثيقة التي تربط الجزائر بكل من روسيا والصين، فإن دعمها في هذا الملف يبقى مضبوط الإيقاع، ومحكوماً باعتبارات أوسع تتعلق بعدم استفزاز الولايات المتحدة في ملف لا يُعد جوهرياً في الحسابات الاستراتيجية الكبرى.

الواقعية السياسية وموازنة المصالح

يعكس هذا الموقف منطق “الواقعية السياسية” الذي يضع المصالح الملموسة فوق الاعتبارات الأيديولوجية.

فروسيا، رغم علاقاتها العسكرية والتاريخية المتينة مع الجزائر، تدرك أن الانخراط القوي في نزاع الصحراء لن يحقق لها مكاسب استراتيجية تعادل كلفة التوتر المحتمل مع قوى غربية.

والصين، التي توسع حضورها الاقتصادي في شمال إفريقيا ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، تفضل الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما فيها المغرب، لتأمين مصالحها التجارية والاستثمارية.

وبذلك، يتجسد نهج موازنة المصالح في الامتناع عن تحويل النزاع إلى ورقة صراع مباشر مع واشنطن، خاصة وأن الولايات المتحدة سبق أن عبرت عن مواقف واضحة تجاه هذا الملف في السنوات الأخيرة، ما جعله مرتبطاً بحسابات أوسع تتجاوز الإطار الإقليمي.

حدود الدعم الروسي والصيني للجزائر

لا يعني توصيف النزاع كقضية ثانوية غياب الدعم السياسي أو الدبلوماسي للجزائر، لكنه يضع هذا الدعم في سقف معين. فموسكو وبكين قد تواصلان تبني خطاب يدعو إلى الحل السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة، أو الامتناع عن خطوات قد تُفسَّر كاصطفاف حاد، لكنهما لن تذهبا بعيداً نحو تصعيد قد ينعكس سلباً على مصالحهما العالمية.

هذا التوجه ينسجم مع سلوكهما في أزمات إقليمية أخرى، حيث تُفضّلان استخدام أدوات ناعمة مثل التعاون الاقتصادي، وصفقات الطاقة والسلاح، بدل الانخراط في صراعات مباشرة ذات كلفة عالية.

انعكاسات على التوازنات الإقليمية

قراءة CIDOB تبرز أن ميزان القوى في ملف الصحراء لا يتحدد فقط بمواقف الأطراف الإقليمية، بل أيضاً بحسابات القوى الكبرى. فإذا كانت الولايات المتحدة تعتبر استقرار المنطقة جزءاً من أمنها الاستراتيجي في غرب المتوسط والساحل، فإن روسيا والصين تتعاملان مع الملف من زاوية براغماتية، تضعه في مرتبة أدنى مقارنة بملفات أكثر حساسية.

هذا الواقع يحدّ من احتمالات تدويل النزاع بشكل حاد، ويُبقيه في إطار تنافس دبلوماسي محسوب، لا يرتقي إلى مستوى صراع جيوسياسي مفتوح. كما يعكس اتجاهاً أوسع في النظام الدولي المعاصر، حيث تُدار العديد من النزاعات الإقليمية ضمن منطق “التحكم في التصعيد” وليس “المواجهة الشاملة”.

في المحصلة، يؤكد تقرير مركز برشلونة للشؤون الدولية أن الحسابات الاستراتيجية لروسيا والصين تقوم على ترتيب الأولويات وفق منطق المصلحة المباشرة، لا الانحياز الأيديولوجي.

ومن ثمة، فإن ملف الصحراء يظل – في نظرهما – نزاعاً إقليمياً يمكن دعمه دبلوماسياً دون تحويله إلى ساحة صدام مع الولايات المتحدة.

وهي مقاربة تعكس براغماتية واضحة، وتؤشر إلى أن مستقبل النزاع سيبقى رهين توازنات دقيقة بين الفاعلين الإقليميين، في ظل اهتمام دولي محسوب لا يتجاوز حدود المصالح الكبرى، ويرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أن لا حل لهذا النزاع إلا في إطار السيادة المغربية، وهو ما بدء الجزائر تؤمن به من خلال مفاوضات ترعاها واشنطن.

-خاص- le12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *