أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن نيته قطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا موجة إرتباك واسعة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الأوروبية.

فالمسألة لا تتعلق بعلاقة ثنائية بسيطة بين واشنطن ومدريد، بل تمس مباشرة بنية العلاقات عبر الأطلسي، لأن إسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي، والسياسة التجارية فيها تُدار بشكل موحّد من بروكسل.

أي إجراء أمريكي أحادي ضد مدريد سيُفهم عمليًا على أنه مواجهة مع الإتحاد الأوروبي ككل، وهو ما يرفع مستوى المخاطر من خلاف دبلوماسي إلى أزمة اقتصادية عابرة للقارات.

إقتصاديًا، تمثل الولايات المتحدة أحد أهم الشركاء التجاريين لإسبانيا خارج الفضاء الأوروبي، سواء في الصادرات الزراعية والصناعات الغذائية أو في مكونات السيارات والطاقة والتكنولوجيا.

أي قيود تجارية مفاجئة قد تضغط على الميزان التجاري الإسباني، وتؤثر على الاستثمارات المشتركة وسلاسل التوريد، بل وقد تخلق توترًا في الأسواق المالية الأوروبية عمومًا.

في بيئة دولية تتسم أصلًا بإضطراب الطاقة وسلاسل الإمداد، فإن عنصر “عدم اليقين” وحده كفيل بإبطاء قرارات الاستثمار وتجميد بعض المشاريع الكبرى.

سياسيًا، سيجد رئيس الوزراء الإسباني Pedro Sánchez نفسه أمام معادلة دقيقة بين الدفاع عن الموقف السيادي لبلاده وتفادي تصعيد قد يضر بالإقتصاد الوطني. غير أن هامش المناورة الإسباني يظل محدودًا، لأن أي رد عملي سيصدر في نهاية المطاف من بروكسل، باعتبار أن الاتفاقيات التجارية تُبرم باسم الاتحاد الأوروبي.

وهنا قد تتحول الأزمة إلى اختبار حقيقي لوحدة الصف الأوروبي، خاصة إذا قررت المفوضية الأوروبية الرد بإجراءات مضادة أو اللجوء إلى آليات منظمة التجارة العالمية.

البعد الأمني يضيف طبقة أخرى من التعقيد.

إسبانيا عضو في NATO وتستضيف منشآت إستراتيجية مهمة للولايات المتحدة.

أي تصعيد إقتصادي قد ينعكس على أجواء التنسيق الدفاعي، حتى لو لم يُعلن ذلك صراحة. التاريخ الحديث يبيّن أن التوترات التجارية نادرًا ما تبقى محصورة في الاقتصاد فقط؛ فهي كثيرًا ما تمتد إلى السياسة والأمن.

يبقى السؤال المركزي: هل نحن أمام قرار إستراتيجي فعلي أم أمام ورقة ضغط تفاوضية؟.

أسلوب ترامب السياسي عُرف برفع سقف الخطاب قبل الدخول في مساومات، ما يجعل إحتمال التراجع أو إعادة الصياغة قائمًا.

لكن حتى في حال عدم تنفيذ التهديد، فإن مجرد طرحه يعيد طرح مسألة هشاشة العلاقة عبر الأطلسي ويغذي داخل أوروبا دعوات “الاستقلال الاستراتيجي” وتقليل الاعتماد على واشنطن في مجالات التجارة والتكنولوجيا والدفاع.

في المحصلة، إسبانيا قد تكون نقطة الاشتعال الأولى، لكن الإتحاد الأوروبي هو الساحة الحقيقية للاختبار.

فإذا تطورت الأزمة، فقد تعيد رسم ملامح التوازن الاقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا في مرحلة دولية تتسم أصلًا بتحولات عميقة في موازين القوى.

*الدكتور إدريس الفينة- خبير السياسات الاستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *