لم تكن غزلان، المرأة الطيبة المعروفة بمدينة آسفي، تعلم أن ابتسامتها المعهودة وهي تبيع الفخار بباب الشعبة ستكون الأخيرة.
غزلان، التي يشهد لها الجميع بحسن المعاملة ودماثة الخلق، كانت رفقة ابنها أمين داخل محلها الصغير حين باغتهم فيضان مفاجئ حوّل المكان في لحظات إلى ساحة صراع من أجل البقاء.
أمين، الذي نجا بأعجوبة، يروي بمرارة ساعات المقاومة الأخيرة قائلاً إن الأمطار اشتدت بشكل غير معتاد، فخرج لمساعدة والدته في جمع الأواني الطينية، قبل أن تشتد السيول وتبدأ في جرف كل شيء أمامها.
“شفت الفخار كامل كيمشي مع الماء، تبعتو باش نجمعو، ومنين رجعت لقيت الواليدة محاصرة بالكراسي والطوابل وحتى الطوموبيلات”، يقول أمين.
وسط الفوضى، حاول الابن إبعاد كل ما كان يهدد حياة والدته، وتمكن للحظة من سحبها من قلب السيل، غير أن قوة المياه كانت أقوى. “غرقنا وسط الفيضان، وجرّنا الماء، وبقيت شاد فيها”، يضيف وهو يكاد يختنق بالبكاء.
ولم يكن أمين وحده في المعركة، إذ كان طفل آخر يساعده، قبل أن يفارق الحياة غرقاً، رحمه الله.
في لحظات تختصر عمراً كاملاً، كانت الأم تستغيث بابنها: “وليدي عتقني وشد مزيان”.
غير أن التعب والمياه التي ابتلعها أمين أفقدته الوعي، وحين فتح عينيه كانت والدته قد ابتعدت عنه، وهو يسمع صوتها يناديه للمرة الأخيرة: “أمين ولدي… أمين ولدي”.
استفاق أمين ليجد نفسه عاجزاً عن الحركة، ساقاه عالقتان ومصابتان بجروح خطيرة بسبب الأجسام التي جرفها الفيضان. بقي محاصراً إلى أن انتبه له بعض الشباب وأنقذوه بعد انحسار المياه، ليبدأ فصل آخر من الألم… فقدان الأم.
ماتت غزلان شهيدة، وتركت أمين وحيدا، حاملاً في ذاكرته مشاهد لا تُنسى، وألماً لا يهدأ.
*آسفي -غيثة الباشا-le12
