التحديات الطبيعيبة والهيدروليكية المعقدة التي تواجهها مدينة القصر الكبير بسبب التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها المنطقة مؤخرا، دفعت السلطات الإقليمية والمحلية إلى اتخاذ قرارات استباقية حازمة، منها دعوة الساكنة في المناطق المهددة إلى إخلاء منازلهم.

هذا القرار يستند إلى معطيات تقنية تتعلق بتدبير حقينة سد وادي المخازن ومنسوب وادي اللوكوس.

ويكمن الخطر الأول الذي يهدد المدينة، في ما يسمى موجة التدفق الفجائي.

فبوصول سد وادي المخازن إلى طاقته الاستيعابية القصوى المتمثلة في مئة بالمئة، تصبح عملية التنفيس ضرورة تقنية لحماية السد من الانهيار.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر ذات اطلاع على المعطيات الدقيقة المتعلقة بالحالة الراهنة في المدينة أن فتح منافذ السد هو القرار التقني الذي لا مفر منه لمواجهة أي تساقطات مطرية جديدة، وأن هذا الإجراء الضروري يشكل خطورة مباشرة على الساكنة بسبب الفيضانات التي ستكتسح عددا من أحياء المدينة وتغرقها، مما قد يؤدي لا قدر الله إلى وقوع ضحايا في الأرواح في حالة عدم الامتثال لتعليمات إخلاء البيوت والالتحاق بالمناطق الآمنة.

أما الخطر الثاني فهو الارتداد الهيدروليكي.

فمن الناحية العلمية، بارتفاع منسوب وادي اللوكوس إلى حد يتجاوز فيه مستوى مخارج قنوات تصريف المياه في المدينة، يحدث ضغط عكسي. فبدل أن تصرف القنوات مياه الأمطار نحو النهر، تبدأ مياه النهر بالتدفق داخل القنوات والبروز من البالوعات وسط الأحياء والمنازل، وهو ما يفسر غرق مناطق بعيدة نسبيا عن ضفة النهر المباشرة.

إن دعوة السلطات للمواطنين بمغادرة منازلهم هي إجراء لحماية الأرواح قبل الممتلكات.
ففي مثل هذه الحالات، تكون التوقعات التقنية قد أشارت إلى وصول ذروة الفيضان في ساعات محددة، وهي لحظة قد لا تنفع معها محاولات الإنقاذ التقليدية.

كما أن هناك مخاطر خفية تتمثل في تشبع التربة الذي قد يؤدي إلى انهيارات مفاجئة في جدران المنازل القديمة، إضافة إلى انقطاع الخدمات الأساسية وعزل الأحياء، مما يصعب مأمورية الوقاية المدنية والساكنة المتطوعين في عمليات الإجلاء.

من هنا تأتي ضرورة الامتثال الفوري والاستجابة لنداءات السلطات دون تردد، مع تأمين الضروريات كالوثائق الرسمية والأدوية، والتأكد من فصل التيار الكهربائي وإغلاق قنينات الغاز بإحكام قبل مغادرة المنزل.

مثال حي على خطورة هذه الوضعيات، ما حدث في فبراير 2017 في الولايات المتحدة الأمريكية، حين واجه سد أوروفيل في ولاية كاليفورنيا أزمة مشابهة جدا. فبعد تساقطات مطرية قياسية، اضطرت السلطات في ولاية كاليفورنيا لتصريف كميات ضخمة من المياه خوفا من انهيار السد. وحينها صدرت أوامر إخلاء فورية لأكثر من 180 ألف شخص في المناطق الواقعة أسفل السد. وبالرغم من أن السد لم ينهدم، إلا أن سرعة وحجم المياه المفرغة تسببت في فيضانات كاسحة، وهو ما يثبت أن قرار الإخلاء هو الضمان الوحيد للسلامة في مواجهة قوة المياه الجارفة.

نسأل الله العلي القدير أن يلطف بأهلنا في مدينة القصر الكبير، وأن يحفظهم من كل سوء ومكروه.

فالتآزر والتضامن في هذه اللحظات هو السبيل لتجاوز المحنة، والسلامة أغلى من كل ممتلك، والحيطة والحذر والامتثال لتوجيهات السلطات هو المخرج الآمن لضمان حماية الأرواح في انتظار انقشاع هذه الغمة وعودة المياه إلى مجاريها الطبيعية بسلام.

 

*أحمد الدافري – كاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *