في الوقت الذي كانت فيه سحب الشتاء الكثيفة تنذر بصيف قاسٍ بعد سنوات من الجفاف، حملت مطلع سنة 2026 سيناريو مغايراً تماماً، حيث تحولت مناطق الشمال والغرب المغربي إلى مسرح لواحد من أكبر الاختبارات المناخية في العقد الأخير.
وقد وضعت التساقطات المطرية القياسية البنية التحتية ومنظومة تدبير الكوارث في المملكة أمام تحدٍّ حقيقي، استوجب استنفاراً وطنياً شاملاً لتطويق آثار السيول الجارفة التي اجتاحت الأحواض المائية الكبرى.
الاستباقية.. “مفتاح الأمان” في مواجهة العاصفة
خلافاً لسنوات خلت، لم يكن التحرك المغربي هذه المرة مجرد رد فعل متأخر على الكارثة، بل اعتمد استراتيجية محكمة لليقظة الهيدرولوجية بدأت قبل وصول أولى القطرات.
فبمجرد صدور النشرات الإنذارية من الدرجة “الحمراء”، فُعّلت مراكز القيادة الإقليمية بتنسيق وثيق بين وزارة الداخلية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والوقاية المدنية.
وكانت مدينة القصر الكبير وسهول الغرب النقطة الأكثر سخونة، حيث تطلب ارتفاع منسوب نهري “سبو” و”اللوكوس” اتخاذ قرارات تقنية دقيقة، شملت عمليات التفريغ الوقائي المنظم لسد وادي المخازن وسد الوحدة، وذلك لتفادي أي سيناريو لانهيار مفاجئ أو فيضان غير متحكم فيه قد يؤدي إلى كارثة إنسانية.
أرقام تعكس حجم المجهود الميداني واللوجستي
تعكس الأرقام الرسمية المسجلة ضخامة المجهود الميداني، إذ تعتبر عمليات الإجلاء الوقائي التي نُفذت الأضخم في تاريخ المنطقة بتأمين أزيد من 150 ألف شخص ونقلهم إلى مراكز إيواء مجهزة.
وقد تصدر إقليم العرائش هذه القائمة بأكثر من 110 آلاف شخص، تلاه إقليما القنيطرة وسيدي قاسم اللذان شهدا عمليات إجلاء واسعة للدواوير المحاذية لمجاري الوديان.
ولم يقتصر التدخل على البر فقط، بل شمل تعبئة شاملة لمروحيات الدرك والجيش للوصول إلى المناطق المعزولة، وتوزيع آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والأغطية لضمان استقرار الساكنة المتضررة.
التكنولوجيا في خدمة التدبير والإنذار المبكر
ما ميز أزمة 2026 بشكل جوهري هو الاعتماد الكلي على نظام “Vigirisques Inondations” الرقمي المدمج، وهو نظام متطور للتنبؤ بالحمولة المائية سمح للسلطات بتوقع توقيت وصول ذروة الفيضان بدقة عالية.
هذا الهامش الزمني مكن فرق الإنقاذ من إخلاء الأحياء السكنية قبل وصول المياه، مدعوماً بشبكة من صافرات الإنذار الموزعة في الأحواض الجبلية.
ويؤكد المسؤولون أن الانتقال من ثقافة “تدبير الأزمة” إلى “تدبير الخطر” هو ما صنع الفارق الحقيقي في حماية الأرواح وتقليص الخسائر البشرية إلى أدنى مستوياتها التاريخية رغم قوة التساقطات.
تحديات ما بعد السيل وإعادة البناء
ورغم النجاح المسجل في حماية العنصر البشري، لا تزال التحديات قائمة بحدة على مستوى البنية التحتية والقطاع الفلاحي.
فقد كشفت السيول عن هشاشة بعض المباني الطينية في أقاليم تطوان والعرائش التي تعرضت للانهيار، بالإضافة إلى تضرر مساحات شاسعة من المحاصيل الزراعية في سهل الغرب نتيجة الغمر المائي الطويل.
تفرض هذه الوضعية اليوم تسريع العمل بـ”الأطلس الوطني للمناطق المهددة بالفيضانات” وتشديد الرقابة على منع البناء في مجاري الوديان، مما يجعل من الاستثمار في المرونة المناخية خياراً استراتيجياً لمواجهة واقع التغيرات المناخية المتطرفة التي باتت تفرض نفسها كمعطى دائم.
إدريس لكبيش / Le12.ma
