«الجزائر دولة عصابة». هذه خلاصة تحقيق قناة France .tv عبر برنامجها الاستقصائي الشهير “Complément d’Enquête”.

لقد أعاد التحقيق، فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بأنشطة الاستخبارات الجزائرية خارج الحدود، من خلال تحقيق وُصف بالخطير، كشف ما سماه معدّوه بـ“الحرب السرية الجزائرية” على الأراضي الفرنسية وفي دول أخرى.

التحقيق، الذي عُرض ليلة الخميس على منصة France.tv، قدّم معطيات موثقة مدعومة بتسجيلات وشهادات وأدلة، تتهم أجهزة تابعة للنظام الجزائري، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، بالضلوع في عمليات تجسس وضغوط ممنهجة وتهديدات طالت معارضين ونشطاء جزائريين، سواء داخل الجزائر أو في صفوف الجالية المقيمة بالخارج.

تجنيد بالإكراه وابتزاز الجالية

أبرز ما كشفه البرنامج هو اعتماد النظام الجزائري، وفق التحقيق، على أساليب الترهيب والابتزاز لتجنيد مواطنين فرنسيين من أصل جزائري، ليس بدافع وطني حر، بل تحت ضغط التهديد بإيذاء أفراد من عائلاتهم المقيمة في الجزائر، أو بحرمانهم من وثائقهم الرسمية كجوازات السفر وبطاقات الهوية.

ويُظهر التحقيق أن هذه الممارسات لا تقتصر على فئة معينة، بل تمتد من منتخبين محليين ومسؤولين إلى مواطنين عاديين، ما يعكس – بحسب معدّي التحقيق – منطق “الدولة الأمنية” التي لا تتردد في ملاحقة مواطنيها أينما كانوا.

القبايل تحت ضغط مضاعف

وسلّط البرنامج الضوء بشكل خاص على وضعية المواطنين القبايليين، حيث كشف عن ممارسات وُصفت بالتمييزية، تتمثل في إجبار بعضهم على التحول إلى مخبرين لمراقبة نشطاء من نفس المنطقة أو التبليغ عنهم، في سياق تضييق أوسع على أي تعبير معارض أو مطالب بالحقوق الثقافية والسياسية.

شهادات صادمة واختراقات خطيرة

التحقيق تضمّن شهادات حصرية، من بينها شهادة جاسوس يُلقب بـ“بيرسي”، إضافة إلى اعترافات شخصية معروفة باسم “أمير DZ” عقب اختطافه، كما كشف عن اختراق دبلوماسي تمثل في تورط نائب قنصل جزائري في أنشطة تجسس داخل التراب الفرنسي، وهو ما اعتبرته القناة تطورًا خطيرًا في العلاقات بين البلدين.

ما وراء الصراع الفرنسي الجزائري

ورغم أن التحقيق يأتي في سياق توتر تاريخي معروف بين باريس والجزائر، إلا أن خطورته – وفق قراءة حقوقية وسياسية – لا تكمن في الصراع بين الدول بقدر ما تكمن في طبيعة تعامل النظام الجزائري مع مواطنيه، خاصة في الخارج، وتحويلهم إلى أدوات في صراع سياسي وأمني يتجاوزهم.

فالدولة التي تتعامل مع جاليتها بعقلية العصابات، عبر التخويف والابتزاز، تطرح علامات استفهام كبرى حول واقع الحريات داخل البلاد، وحول حجم “التدجين” الذي تعرضت له فئات واسعة من الشعب الجزائري، من خلال خطاب رسمي يقوم على صناعة العداء وتغذية الكراهية، بدل بناء وعي نقدي ومصالحة داخلية حقيقية.

تحقيق Complément d’Enquête لا يقدّم مجرد اتهامات إعلامية عابرة، بل يفتح ملفًا ثقيلاً حول طبيعة النظام الحاكم في الجزائر، وحدود استخدامه للأجهزة الأمنية في مواجهة معارضيه، داخل الوطن وخارجه. وهو ملف مرشح لإثارة نقاش واسع في الأوساط الحقوقية والسياسية الأوروبية، وربما لإعادة طرح سؤال المساءلة الدولية حول ممارسات دولة من الجزائر يفترض أنها “شريك” في الضفة الجنوبية للمتوسط.

*جلال حسناوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *