مرة أخرى يجد حزب العدالة والتنمية (البيجيدي) نفسه أمام اختبار داخلي صعب، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.
فبعد سنوات من الزلزال السياسي الذي شهده الحزب في انتخابات 8 شتنبر 2021، بدأت بعض الأصوات التي غادرت الصف الحزبي في تلك المرحلة تعود إلى الواجهة.
وضع خلف نقاشاً داخلياً حاداً بين من يدعو إلى طي الصفحة بمنطق “عفا الله عما سلف”، ومن يرى أن الأمر يتعلق بقضية مبدئية ترتبط بأخلاقيات العمل السياسي والالتزام الحزبي.
في هذا السياق، خرج القيادي والبرلماني السابق عن الحزب بدائرة طنجة، محمد خيي الخمليشي، برسالة مطولة حملت الكثير من العتاب، بل والانتقاد الصريح لما اعتبره سلوكاً سياسياً غير أخلاقي من طرف بعض من غادروا الحزب عقب نكسة 2021، قبل أن يظهروا مجدداً مع اقتراب محطة انتخابية جديدة.
رسالة الخمليشي لم تكن مجرد موقف عابر، بل عكست حالة التوتر التي يعيشها الحزب بين من يدعو إلى استعادة كل الطاقات استعداداً للمرحلة المقبلة، وبين من يعتقد أن العودة دون مساءلة أو مراجعة سياسية تضرب في العمق صورة الحزب التي طالما قدمت نفسها كبديل أخلاقي في الحياة السياسية المغربية.
القيادي السابق في العدالة والتنمية اعتبر أن الموقف الأكثر وضوحاً كان يقتضي من المغادرين أن يعلنوا استقالتهم بشكل صريح ويتحملوا مسؤولية اختياراتهم السياسية، بدل ما وصفه بأسلوب “المراوغة”.
فبحسب رسالته، تغيير الانتماء السياسي ليس جريمة، لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي تم بها ذلك، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمنتخبين حصلوا على ثقة الناخبين باسم الحزب، ثم اختاروا لاحقاً الاصطفاف مع هيئات سياسية أخرى دون إعلان واضح أو مراجعة سياسية صريحة.
وفي جوهر انتقاده، يطرح الخمليشي سؤالاً أخلاقياً يتعلق بما سماه “المقتنيات السياسية”، أي المواقع الانتدابية التي حصل عليها بعض المنتخبين باسم الحزب. فوفق منطقه، كان من الأولى – أخلاقياً – إعادة تلك المواقع أو الاستقالة منها فور اتخاذ قرار مغادرة الحزب، حفاظاً على وضوح العلاقة مع الناخبين الذين صوتوا بناء على هوية سياسية محددة.
هذا النقاش يعيد إلى الواجهة قضية الترحال السياسي التي طالما شكلت إحدى أعطاب الممارسة الحزبية في المغرب. فبين النصوص القانونية التي تحاول الحد من الظاهرة، والواقع السياسي الذي يستمر في إنتاجها، تبقى المسألة مرتبطة أساساً بثقافة الالتزام الحزبي وأخلاقيات العمل السياسي.
غير أن الجدل داخل العدالة والتنمية يحمل أيضاً بعداً آخر مرتبطاً بالمرحلة السياسية التي يمر بها الحزب. فبعد السقوط المدوي في انتخابات 2021، يحاول الحزب إعادة ترتيب بيته الداخلي واستعادة جزء من حضوره السياسي.
وفي مثل هذه اللحظات، غالباً ما تطفو على السطح الأسئلة المرتبطة بالوفاء التنظيمي والانضباط الحزبي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمن غادروا في لحظة الأزمة ويفكرون في العودة عند اقتراب الاستحقاقات.
بين منطق البراغماتية السياسية الذي يدعو إلى فتح الأبواب أمام الجميع من أجل تقوية الصفوف، ومنطق الصرامة الأخلاقية الذي يدافع عنه الخمليشي، يقف حزب العدالة والتنمية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن استعادة القوة التنظيمية دون التفريط في الخطاب الأخلاقي الذي شكل أحد أعمدة هويته السياسية؟.
الجواب عن هذا السؤال قد لا يتحدد فقط في النقاشات الداخلية للحزب، بل في الطريقة التي سيقنع بها الرأي العام بأنه قادر على استخلاص الدروس من تجربة السقوط، وإعادة بناء ذاته على أسس سياسية وتنظيمية أكثر وضوحاً.
وفي كل الأحوال، تكشف رسالة محمد خيي الخمليشي أن الجرح الذي خلفته انتخابات 8 شتنبر لم يندمل بعد داخل العدالة والتنمية، وأن الطريق نحو استعادة التوازن الداخلي لا يزال يمر عبر تحدي العديد من الصعوبات الداخلية.
لعل أولها هو تدبير قضية الهاربون من حزب العدالة والتنمية عند السقوط الحر، الذي أعادتهم شهوة السلطة إلى بيت الطاعة طمعا في مغانم انتخابية.
*تقرير | جلال حسناوي
*كاريكاتير |بوعلي هيسرس
