لم يكن صباح “دوار اغبالو” بجماعة تنقوب كغيره من الصباحات؛ فبينما كانت الجاذبية تسحب التربة المبللة من علياء الجبل لتبتلع المنازل والمساجد، كانت العناية الإلهية واليقظة الاستباقية للسلطات ترسم ملامح “نجاة جماعية” قلّ نظيرها.
ففي لحظات فارقة، تحولت الجدران إلى أنقاض وسط الأوحال، لكن الأرواح ظلت شامخة، لتسجل منطقة إقليم شفشاون فصلاً جديداً في تدبير المخاطر الطبيعية، حيث انتصرت “روح المسؤولية” على هول الكارثة.

هول الصدمة وانزلاق الأرض
على وقع دويّ مفاجئ واهتزازات عنيفة، استيقظت جماعة تنقوب اليوم الجمعة على مشهد مأساوي؛ حيث زحفت كتل ضخمة من التربة المشبعة بالأمطار لتأتي على الأخضر واليابس بدوار “اغبالو”.
المشهد كان صادماً؛ 30 منزلاً تهاوت كأحجار الشطرنج، ومسجدان كانا بالأمس يصدحان بالآذان صارا ركاماً مطموراً تحت الأوحال، في مشهد يجسد قسوة الطبيعة الجبلية الوعرة.

السباق ضد الزمن.. فلسفة الإجلاء
خلف هذا الدمار المادي الكبير، تكمن قصة نجاح ميداني؛ فالموت الذي كان يتربص بالساكنة تحت الأنقاض، واجهه قرار شجاع اتخذ قبل أيام.
فبتعليمات مباشرة من عامل إقليم شفشاون، زكرياء حشلاف، تحركت “غرفة عمليات” ميدانية ضمت السلطات المحلية والدرك الملكي وأعوان الجماعة، لتبدأ عملية إجلاء استباقية لـ 140 شخصاً بعد رصد تصدعات تنذر بالخطر، وهي الخطوة التي جعلت الانهيار اليوم مجرد “خسائر مادية” بدلاً من “فاجعة إنسانية”.

زيارة العامل زكرياء حشلاف.. دعم وتآزر
وفي خطوة تعكس الاهتمام البالغ للدولة بمواطنيها، حلّ زكرياء حشلاف ، عامل إقليم شفشاون، في زيارة تفقدية عاجلة لعين المكان، مرفوقاً بوفد رفيع من المسؤولين الإقليميين.
الزيارة كانت وقوفاً ميدانياً على حجم الأضرار، حيث عاين العامل وضعية الأسر في أماكن استقرارهم المؤقتة، وأعطى تعليماته لتسخير كافة الإمكانيات الإقليمية لمواكبتهم، مؤكداً أن الدولة لن تدخر جهداً في توفير الظروف الكريمة للمتضررين.

تصريح رئيس الجماعة يوسف السيمو
وفي قلب الحدث، أكد يوسف السيمو، رئيس جماعة تنقوب، حجم التحدي قائلاً: “إن ما عاشته جماعة تنقوب اليوم هو دمار مادي هائل، لكننا والحمد لله لم نسجل إصابة بشرية واحدة” .
وأضاف رئيس الجماعة: “هذا النجاح هو ثمرة عمل تنسيقي مكثف؛ إذ لم ننتظر وقوع الكارثة بل سارعنا بتنسيق مع مع السلطات، بإقناع الساكنة بالإخلاء الفوري، ونحن الآن نركز على توفير الدعم الغذائي واللوجستي بتعاون مع السلطات الإقليمية”.

صوت من قلب المحنة.. “كتب لنا عمر جديد”
وعن لسان الساكنة، يروي أحد المتضررين الذين فقدوا منزلهم: “لقد ضاع شقاء العمر تحت الركام والأوحال، لكن روحي وأرواح أبنائي أغلى. لولا إلحاح السلطات وإخراجنا قبل يومين، لكان هذا الردم قبراً لنا اليوم.. نشكر الله والسلطات التي لم تتركنا لمصيرنا المحتوم”.

تعبئة شاملة ومساعدات عاجلة
الحركة في “اغبالو” لا تتوقف؛ فقد سارعت السلطات بتنسيق مع الجماعة والمجتمع المدني إلى تأمين مبيت الأسر في أماكن آمنة بعيدة عن منحدرات الخطر، مع تزويدهم بالأغطية والمؤن الضرورية.
كما باشرت لجان تقنية متخصصة عملية إحصاء دقيق للأضرار لرفع تقاريرها، في مشهد يكرس مفهوم الدولة الراعية التي تضع سلامة المواطن فوق كل اعتبار.

الأمل من تحت الركام
رغم قسوة المشهد، تبقى “تنقوب” اليوم نموذجاً حياً في التصدي لغدر الطبيعة بالذكاء الجماعي، فالمنازل يمكن أن تُبنى من جديد، والمساجد ستعمر بصلاة المؤمنين مرة أخرى، لكن الروح التي حُفظت لا تُعوض.
إنها رسالة أمل تنبثق من بين صخور “اغبالو”؛ مفادها أن التآزر بين السلطة والمواطن هو الصخرة الحقيقية التي تتحطم عليها كل الانهيارات.
شفشاون / رشيد زرقي
