يشكل نظام سعر الصرف أداة مركزية في تحديد توزيع الموارد داخل الاقتصاد، كما يؤثر مباشرة في هيكل الحوافز بين الاستهلاك والإنتاج.

في حالة اقتصاد يعاني عجزاً تجارياً مزمناً، فإن الإبقاء على عملة مقوّمة بأعلى من قيمتها التوازنية يطرح إشكالية اقتصادية تتجاوز البعد النقدي لتطال البنية الإنتاجية والمالية العامة.

عندما لا يعكس سعر الصرف مستواه الحقيقي وفق أساسيات الاقتصاد الكلي خصوصاً العجز في الحساب الجاري فإن النتيجة المباشرة هي تخفيض التكلفة النسبية للواردات.

هذا الوضع يولّد مكسباً آنياً للمستهلكين، خاصة في السلع الاستهلاكية والكمالية، حيث تصبح الأسعار أقل مما لو كان سعر الصرف أكثر مرونة.

كما تستفيد الخزينة العامة جزئياً عبر ارتفاع حصيلة الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة على الواردات نتيجة توسع حجمها.

غير أن هذا المكسب الظاهري يخفي تكلفة هيكلية. فالعملة المقومة بأعلى من قيمتها تقلل تنافسية الصادرات، وتضعف القطاعات القابلة للتبادل، وتؤخر عمليات الإحلال محل الواردات.

نظرياً، يفترض أن يؤدي العجز التجاري إلى تصحيح تلقائي عبر تراجع العملة، بما يعيد التوازن بين العرض والطلب الخارجيين. تعطيل هذه الآلية يطيل أمد الاختلال ويحوّله من ظاهرة دورية إلى سمة بنيوية.

بالتالي، فإن المستفيد قصير الأجل هو المستهلك والخزينة، بينما يتحمل الاقتصاد الحقيقي تكلفة طويلة الأمد تتمثل في تآكل القدرة الإنتاجية وتعميق الاعتماد الخارجي. السؤال المركزي إذن ليس فقط من يستفيد، بل كيف يُعاد توزيع الكلفة بين الحاضر والمستقبل ضمن إطار استدامة التوازنات الكلية.

*الدكتور إدريس الفينة خبير إقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *