لم يعد المشرق العربي (الشرق الأوسط) مجرد ساحة صراع جيوسياسي بين القوى الكبرى، بل أصبح مسرحًا تتقاطع فيه نبوءات دينية كبرى حول نهاية العالم.

بالنسبة لبعض التيارات الدينية في الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، تمثل أحداث المنطقة جزءًا من مخطط تاريخي موعود منصوص عليه في الكتب المقدسة، حيث تتلاقى السياسات مع العقائد، وتصبح الحروب أحداثًا مقدسة قبل ظهور المخلص أو المهدي أو المسيح المنتظر.

وقد تجلى هذا البعد اللاهوتي بشكل واضح خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تداخلت السياسات الخارجية مع خطاب ديني تبناه التيار المسيحي الإنجيلي، بالتوازي مع قراءات مهدوية إيرانية وسرديات يهودية عن فكرة “إسرائيل الكبرى”.

الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة

تعود جذور الصهيونية المسيحية إلى القرن التاسع عشر في بريطانيا والولايات المتحدة، من خلال مدرسة التدبيرية التي أسسها جون نيلسون داربي، والتي تعتقد أن التاريخ الإنساني يسير وفق مراحل محددة ستنتهي بعودة المسيح بعد سلسلة من الأحداث الكبرى في الشرق الأوسط .

مع القرن العشرين، أصبحت هذه العقيدة جزءًا من الثقافة الدينية والسياسية للكنائس الإنجيلية الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بدعم دولة إسرائيل واعتبار عودة اليهود إلى فلسطين شرطًا أساسيًا لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس.

اللاهوت الإنجيلي ودعم ترامب

شهدت عقيدة الصهيونية المسيحية تجليًا سياسيًا واضحًا خلال حكم ترامب، حيث أصبح بعض القساوسة يصفونه بأنه مختار إلهيًا.

لقد زعمت المستشارة الروحية لترامب بولا وايت “إن الله أقام دونالد ترامب لهذا الزمن ليقود الأمة ويواجه قوى الظلام”.

كما أكد القس الإنجيلي المؤثر جون هاغي أن الشرق الأوسط يمثل المسرح الرئيسي للأحداث التي ستسبق معركة هرمجدون، وهي المعركة الكبرى التي ستقع قبل عودة المسيح.
أما الواعظ لانسي والنو، فقد شبه ترامب بالملك الفارسي كورش الذي سمح لليهود بالعودة إلى القدس، معتبرًا أن التاريخ يعيد نفسه بأبعاد إلهية.

وقد اعتُبر قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل خطوة رمزية مهمة في تحقيق هذه النبوءات الإنجيلية.

الانقسام داخل الحركة المحافظة

مع تصاعد الخطاب الديني حول الصراع مع إيران، ظهرت انقسامات داخل الحركة المحافظة في الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض الإعلاميين الذين حذروا من أن تصوير الحرب باعتبارها إرادة إلهية قد يحول الصراع إلى مواجهة عقائدية صعبة الاحتواء.

كما ظهرت شكاوى من بعض الأوساط العسكرية الأمريكية حول استخدام خطاب ديني يربط المواجهة بعودة المسيح، معتبرين أن ذلك قد يضر بالمهنية والعلمانية في الجيش.

المهدوية السياسية في إيران

يحمل الفكر السياسي الإيراني بعدًا دينيًا عميقًا مرتبطًا بعقيدة المهدوية في المذهب الشيعي الاثني عشري.

إذ يؤمن الشيعة بعودة الإمام الغائب محمد المهدي، الذي سيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جورًا.

وقد اكتسبت هذه العقيدة بُعدًا سياسيًا منذ الثورة الإسلامية بقيادة روح الله الخميني، ويُنظر إليها كأداة لإضفاء الشرعية الروحية على مواجهة القوى الغربية.

لذلك يرى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي المقبور، أن الصراع مع الولايات المتحدة ليس مجرد نزاع سياسي، بل جزء من مواجهة كونية بين الاستكبار والعدالة.

أما الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد فقد ربط السياسة الدولية بشكل صريح بظهور المهدي، إذ قال: “العالم يعيش مرحلة انتقالية ستشهد ظهور الإمام المهدي وإقامة العدالة الإلهية”.

المهدي المنتظر في الفكر السني

تحتفظ العقيدة السنية أيضًا بفكرة المهدي المنتظر، لكنه يظهر ليقود الأمة في زمن الفتن الكبرى، ثم ينزل النبي عيسى عليه السلام لقيادة المعركة النهائية ضد قوى الشر.

لكن الدول السنية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية تتجنب توظيف هذا التصور في السياسة الرسمية، بينما يحذر عدد من العلماء من خطورة استخدام نبوءات آخر الزمان لتبرير الحروب.

إسرائيل الكبرى واللاهوت اليهودي

في إسرائيل، يعتبر بعض التيارات الدينية أن حدود الدولة الحالية ليست إلا البداية لتحقيق وعد توراتي بامتداد الأرض «من النيل إلى الفرات».

وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن قيام دولة إسرائيل يمثل تحقيق حلم تاريخي ديني للشعب اليهودي.

كما يرى بعض الحاخامات أن قيام دولة إسرائيل يمثل بداية مسار ديني سيقود في النهاية إلى ظهور «المشيح»، أي المخلص في العقيدة اليهودية.

يشار إلى انه في العقيدة اليهودية، يُعرف المسيح المنتظر باسم المشيح، وهو في إعتقادهم “ملك بشري من نسل داود، لا يُنظر إليه ككائن إلهي بل كقائد مُلهَم يقيم مملكة الله على الأرض”.

ومن بين الشخصيات الدينية التي تروج لهذه الرؤية الحاخام يتسحاق غينسبورغ، الذي يرى أن استعادة الأرض التوراتية بالكامل شرط أساسي لتحقيق الخلاص اليهودي.

الشرق الأوسط كساحة لصراع النبوءات

في الشرق الأوسط، تتقاطع ثلاث سرديات كبرى:الإنجيليون يزعمون أن الصراع تمهيد لمعركة هرمجدون وعودة« المشيح».

والشيعة الاثنا عشرية تعتقد ان الصراع جزء من مسار ظهور الإمام المهدي، اما اليهود المتطرفون، يعتقدون أن الأحداث تمهد لظهور المشيح واستكمال وعد الله.

وهكذا تتحول الصراعات السياسية والجغرافية إلى حرب سرديات أخروية، يصعب على المنطق التقليدي احتواؤها.

إن أخطر ما في هذا التداخل بين الدين والسياسة ليس مجرد توظيف العقيدة للتعبئة، بل تحويل الحرب والصراع إلى أحداث مقدسة مرتبطة بنهاية العالم.

عندما يُقدَّم النزاع العسكري باعتباره تنفيذًا لإرادة إلهية أو تمهيدًا لظهور المخلص، يصبح النقاش العقلاني حول السلام أو التسويات السياسية أكثر صعوبة.

وفي ظل هذه السرديات المتنافسة، يبدو الشرق الأوسط اليوم ليس فقط ساحة صراع جيوسياسي، بل مسرحًا لتقاطع نبوءات دينية كبرى حول نهاية التاريخ وبداية عالم جديد.

*خاص-جريدة Le12

*الصورة -مجلة تايم بتصرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *