أثار التحاق السي عبد الهادي خيرات بحزب التقدم والاشتراكية ردودَ فعلٍ متباينة؛ منها من رأى فيه علامةً على أزمة الديمقراطية داخل الاتحاد، ومنها من عاب على القيادي الاتحادي سابقًا تنكُّره لتاريخ نضالي ساهم في بنائه لعقود إلى جانب عبد الرحيم وعبد الرحمن، ومنهم من وجد في الحدث ضالته لينفث سموم حقده على الاتحاد، وليهاجم قيادته تصفيةً لحسابات قديمة وأخرى ليست ببعيدة.
إزاء زوبعة الفنجان هذه، ارتأيت أن أضع بعض النقط على الحروف درءًا لقراءات متهافتة، بعضها غارق في التفاهة لا يبررها سوى منسوب عالٍ من الحقد والانتقام، ولا علاقة لها إطلاقًا بالغيرة على الحزب.
أولًا: انسحاب مناضل من حزب ما والتحاقه بحزب آخر ليس جديدًا على الحقل الحزبي والممارسة السياسية في المغرب كما في العالم، في الاتحاد كما في التقدم والاشتراكية وغيرهما من الأحزاب، ولن يكون الانتقال الأخير.
ثانيًا: الانتماء السياسي اختيار شخصي حر، كما أنه من حق أي إنسان أن يغير رأيه ومواقفه، وأن يراجع أفكاره لاعتبارات شخصية أو موضوعية. ولا حق لأحد أن يصادر منه هذا الحق المقدس؛ إنه من المروءة الأخلاقية والشجاعة الأدبية. والمسؤولية السياسية تقتضي أن يمارس المناضل ما هو مقتنع به بدل الوقوف على ربوة السباب والقذف في حق إخوة وأخوات اختلف معهم حول موقف أو رأي أو قرار. فإذا لم نحترم حرية الانتماء السياسي، فكيف يمكننا أن نحترم حرية المعتقد وغيرها من حقوق الإنسان؟
ثالثًا: قوة الأحزاب الحقيقية لا تتوقف شرعيتها ولا فعاليتها على هذا أو ذاك، وإنما تستمد قوتها ومشروعيتها من هويتها الإيديولوجية، ومتانة هياكلها، واتساع إشعاعها، وعمل مناضليها ومناضلاتها؛ خاصة أن زمن عبادة الشخصية وأسطورة الزعيم قد انتهى.
وعليه، فإن الاتحاد لم يراهن أبدًا على الأشخاص، وإن كنا لا ننكر تضحيات قيادات تاريخية رائدة، كما نُقدِّر إسهامات مناضلين بسطاء من كل الأجيال.
يجب أن يتذكر كل المفجوعين اليوم، صادقين كانوا أم مجرد تماسيح تذرف دموعًا كاذبة، أن صف المنسحبين من الاتحاد طويل، طويل؛ بدءًا بمؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى شباب 23 مارس، إلى الطليعة والوفاء للديمقراطية وحزب المؤتمر، ناهيك عن أصحاب البديل الذي لم تُكتب له الولادة.
وهذه دينامية موضوعية تجد أسبابها في شروط الولادات، ومغصات المخاض، وإكراهات الممارسة الديمقراطية الداخلية، وإشكالات العمل السياسي ببلادنا.
من المؤكد أن هذه الانسحابات، ضمن سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة، ولاعتبارات إيديولوجية أو سياسية، أو في الغالب تنظيمية، قد أضعفت الاتحاد وأفقدته كثيرًا من أبنائه وبناته؛ لكن لا مردَّ لأحكام التاريخ وقواعد الصراع داخل أي بنية سياسية أو اجتماعية. والحقيقة أن تاريخ اليسار، منذ لينين، هو تاريخ صراعاته، وأن النزوع إلى الانشطار أقوى من نزعة الوحدة والتراكم.
رابعًا: عبد الهادي خيرات مناضل فذ وقيادي اتحادي محترم اختار، لاعتبارات تهمه وهو الأعلم بها، أن يبتعد تنظيميًا وسياسيًا عن الاتحاد، وربما عن السياسة، وذاك اختياره الذي لا نملك إلا أن نحترمه، آسفين على ذلك. وبالتالي لم يُبعده أحد، ولم يطرده أحد، وما كان أحد براغب في إبعاده، وما كان أحد بقادر على ذلك.
كان يحظى بتقدير الاتحاد بين الاتحاديات والاتحاديين، وعليه فإن الأخ/الرفيق غادر الاتحاد منذ حوالي عقد من الزمن.
نعتز بتاريخه بيننا ومعنا، كما نعتز بقيادتنا الراهنة التي لها كل الشرعية والمشروعية، ونتمنى له التوفيق في بيت ليس ببعيد. وأتوجه بالقول لمن فرحوا بـ”الحدث”، ووجدوا فيه فرصة للإساءة إلى الاتحاد: إننا عارفون بما يحرك أقلامكم المكسورة، انكسار أطماعكم المكسورة.
*عبد السلام رجواني-سياسي إتحادي
