تحتفل المملكة المغربية، شأنها شأن دول العالم، باليوم العالمي للمرأة كأرضية لاستحضار وجوه نسائية لم يكتفين بوضع بصمة عابرة، بل أسسن لصروح من العلم والسياسة والنضال.

إن هذا اليوم يمثل فرصة لتأمل كيف جعلت المرأة المغربية من “تمغربيت” مرادفاً للقوة والعطاء، وكيف استطاعت عبر العصور أن تكون في قلب الحدث لا على هامشه.

فاطمة الفهرية.. أمّ خلدها العلم والوقف

​لا يمكن الحديث عن تاريخ المغرب الحضاري دون البدء بـ “أم البنين” فاطمة الفهرية، التي قدمت في القرن التاسع الميلادي نموذجاً فريداً للمرأة المستثمرة في الفكر.

لم تكتفِ فاطمة بإنفاق ورثها في عمل خيري تقليدي، بل وجهت رؤيتها نحو بناء جامعة القرويين بمدينة فاس، والتي تُصنف اليوم كأقدم جامعة مستمرة في العالم.

بفضل هذا الصرح، تحول المغرب إلى منارة علمية يقصدها طلاب المعرفة من شتى بقاع الأرض، لتظل بصمتها شاهدة على دور المرأة في التأسيس المعرفي للأمة.

السيدة الحرة.. ملكة البحار وحاكمة تطوان

​في زمن كانت السيادة السياسية والعسكرية فيه حكراً على الرجال، برزت السيدة الحرة كحاكمة لمدينة تطوان في القرن السادس عشر بكل حزم واقتدار.

لم تكن مجرد حاكمة إدارية، بل كانت قائدة عسكرية محنكة وأدميرالاً للبحر في جهة الشمال، حيث فرضت هيبتها على القوى الاستعمارية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

لقد أثبتت السيدة الحرة من خلال قيادتها أن تدبير الشأن العام والذكاء العسكري هما صفتان لا تفرقان بين رجل وامرأة، بل ترتبطان بالكفاءة والروح الوطنية.

كنزة الأوربية.. صانعة التحالفات والوحدة

​تعتبر كنزة الأوربية، زوجة المولى إدريس الأول وأم المولى إدريس الثاني، المهندسة السياسية التي وضعت اللبنات الأولى للدولة المغربية الموحدة.

لعبت كنزة دوراً محورياً في تثبيت دعائم الدولة الإدريسية من خلال حكمتها البالغة في تدبير التحالفات بين القبائل الأمازيغية، مما ساهم بشكل مباشر في صهر الهوية المغربية وتجاوز الخلافات القبلية لصالح بناء كيان سياسي قوي، لتكون بذلك رمزاً للأم الحاضنة للدولة والمجتمع.

زينب النفزاوية.. عقل الدولة المرابطية المدبر

​وصفها المؤرخون القدامى بأنها “قائمة بملك زوجها”، حيث كانت المستشارة السياسية الأولى ليوسف بن تاشفين والشريكة في بناء عظمة المرابطين.

كانت زينب النفزاوية العقل المدبر وراء الكثير من القرارات الاستراتيجية التي ساهمت في توسع الدولة، وبفضل دهائها وحكمتها تم بناء مدينة مراكش وتوطيد أركان إمبراطورية شاسعة امتدت من الصحراء الكبرى إلى الأندلس، مما جعل اسمها مقترناً بقمة الذكاء السياسي الأنثوي.

وجوه من النضال الحديث والتميز المعاصر

​في العصر الحديث، استمرت المرأة المغربية في كسر القيود، حيث نجد ثريا الشاوي التي حلقت في السماء كأول ربانة طائرة في العالم العربي، متحديةً الاستعمار والتقاليد لتثبت أن طموح المغربيات لا سقف له.

وإلى جانبها تبرز عالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي التي سخرت قلمها للدفاع عن حقوق المرأة وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول دور النساء في التاريخ الإسلامي، تاركةً خلفها إرثاً فكرياً يدرس في كبريات الجامعات العالمية.

​إن الاحتفال بـ 8 مارس في المغرب هو اعتراف بمسيرة حافلة لم تتوقف يوماً، فهؤلاء النسوة لم يكنّ مجرد استثناءات تاريخية، بل هنّ تجسيد لروح المثابرة التي تستمر اليوم في تألق المغربيات في الطب، والهندسة، والرياضة، والسياسة. كل عام ونساء المغرب بألف خير، وهنّ حارسات الأصالة وصانعات المستقبل المشرق.

إدريس لكبيش/ Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *