لم يكن صباح  أمس السبت صباحًا عاديًا في مدينة القصر الكبير، التي باتت تتصدر عناوين الصحافة والإعلام كأخبار الطقس و الأرصاد. 

لقد استفاقت المدينة التي غاب هدوءها، على وقع صفارات الإنذار، وتحذيرات متسارعة، وقلوب مثقلة بالخوف من فيضان وشيك لوادي اللوكوس. 

في يوم إنحبس فيه المطر ، وتسلل شعاع الشمس، كانت عمليات الإجلاء تسابق عقارب الساعة، لإخلاء دور الأحياء المهددة من سكانها.. 

  في ساعات قليلة، تغيّر كل شيء. الشوارع فرغت، البيوت أُغلقت على عجل، والوجوه شاحبة تبحث عن مخرج آمن.

وسط هذا المشهد غير المألوف ، تروي خديجة الشرقاوي، إحدى ساكنة المدينة وفاعلة جمعوية، تفاصيل اللحظات العصيبة التي عاشتها الأسر، في شهادة مؤثرة لموقع le12.ma، مؤكدة أن “الوضع قاس للغاية، وما نعيشه اليوم غير مسبوق”.

تقول خديجة، بصوت يختلط فيه القلق بالذهول: “المدينة كلها كتهاجر… الناس خرجوا بلا وجهة، كل من وجد مكانًا يختبئ فيه فعل ذلك”.

بعض المواطنين قصدوا محطة القطار، التي كانت فضاءً للعبور والسفر، فإذا بها  تحوّلت إلى ملجأ مؤقت لعشرات الأسر الهاربة من المياه. 

هناك، امتزج بكاء الأطفال بصمت الكبار، وحقائب صغيرة حملت ما تيسر من حياةٍ تُركت خلف الأبواب المغلقة.

لم يكن الخوف وحده ما خيّم على الأجواء، بل زاد الوضع قتامة انقطاع التيار الكهربائي والماء الصالح للشرب عن عدد من الأحياء، فيما امتلأت سماء المدينة بأصوات وتحركات المروحيات، في مشهد غير مألوف زاد من إحساس السكان بأن الخطر أقرب مما يتصورون.

تقول الشرقاوي إن السلطات المحلية تدخلت في وقت مبكر، حيث مرّ أعوان السلطة منذ الساعات الأولى من الصباح لإشعار السكان بضرورة إخلاء منازلهم، تحسبًا لإطلاق مياه السد. 

غير أن سرعة الأحداث، وتوقع استمرار التساقطات المطرية في القادم من الايام،  جعلت القلق يتضاعف، والخوف يتحول إلى ما يشبه الهروب الجماعي من الاسوء .

وتصف خديجة الأيام الماضية بأنها كانت ثقيلة ومشحونة بالتوتر، خاصة لدى الأسر القاطنة قرب وادي اللوكوس، حيث ظل منسوب المياه في ارتفاع مقلق، إلى أن تسللت المياه إلى عدد من المنازل، معلنة بداية المعاناة الحقيقية.

هذا الوضع دفع السلطات إلى إعلان حالة استنفار، وتوجيه نداءات متكررة للسكان بإخلاء منازلهم، خصوصًا بالمناطق المنخفضة. وتضيف الشرقاوي أن بعض الأسر، التي كانت قد لجأت في وقت سابق إلى الطوابق العليا، اضطرت مرة أخرى لمغادرة بيوتها والبحث عن أماكن أكثر أمانًا، وسط حالة من الفوضى والترقب، وغياب أي يقين حول ما ستؤول إليه الساعات القادمة.

وتؤكد المتحدثة أن الأضرار الناجمة عن فيضان وادي اللوكوس طالت بالدرجة الأولى الأسر القاطنة في الطوابق الأرضية، التي وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام المياه، دون وقت كافٍ لإنقاذ ممتلكاتها أو حتى استيعاب ما يحدث.

ورغم كل هذا السواد، لا تخفي خديجة الشرقاوي بصيص الأمل الذي تتمسك به، معبرة عن رجائها في تحسن الأحوال الجوية خلال الأيام المقبلة، حتى لا تتحول هذه المحنة إلى كارثة أكبر.

هكذا، في ساعات قليلة، تحوّلت القصر الكبير إلى مدينة صامتة، شوارعها خالية، ونوافذها مغلقة، وذكرياتها معلّقة على عودةٍ مؤجلة…

مدينة صارت، كما تقول خديجة، ديارًا خلت من أهلها، هربًا من خطر فيضان داهم.

نجوى- le12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *