من مدرجات ملعب مولاي عبد الله، وأثناء متابعة مبارة منتخبنا أمام الكاميرون، بدا المشهد أكبر من تسعين دقيقة من كرة القدم.

لم تكن مجرد مباراة، بل درساً وطنياً مكتملاً، تتقاطع فيه العاطفة بالهوية، وتتعانق فيه الرياضة مع الانتماء.

جمهور عظيم حضر لا بصفته متفرجاً عادياً، بل بوصفه صوتاً وجدانياً ينوب عن ملايين المغاربة، ليؤكد أن الانتماء الصادق ممارسة وعقيدة راسخة، لا شعاراً عابراً يُرفع عند الحاجة.

في تلك اللحظات المهيبة، تعزز لديّ الإحساس العميق بشرف الانتماء إلى شعب راقٍ، مؤدب، خلوق ومنضبط.

شعب عرف كيف يجمع بين الحماس والوقار، بين الحناجر المبحوحة والدموع الصادقة، بين الرؤوس المرفوعة والعيون المغمضة بخشوع، وهو يردد النشيد الوطني ويجدد العهد الثابت بشعار الأمة الخالد: الله، الوطن، الملك.

أطفال ونساء وشباب ورجال، قدموا من كل فجٍّ من ربوع الوطن ومن خارجه، ليصنعوا لوحة وملحمة مغربية متجددة، عنوانها الأصالة والوحدة والاعتزاز والوفاء.

نشأتُ في أسرة وطنية ضاربة في عمق التاريخ النضالي، شاءت الأقدار أن يكون جدي وجدتي، ووالدي وعمي، وعدد من أفراد عائلتي، إلى جانب كل سكان وجدة، المدينة التي أتشرف بالانتماء إليها، من السبّاقين إلى إشعال شرارة المقاومة المغربية.

تربيت على حب الوطن حتى النخاع، وتشربته وجداناً وسلوكاً منذ طفولتي.

وفي ليلة ملعب مولاي عبد الله، وجدت نفسي وسط أربعة وستين ألف “أستاذ” في الوطنية وحب الوطن، ومعهم ملايين المغاربة خلف الشاشات كأسرة مغربية كبيرة لا تجمعها المدرجات والتلفزات فقط بل توحدها القيم والمبادئ والمرجعيات. هم قدوة للوطنيين، وصورة للمقاومين، وتجسيداً للمجاهدين الجدد، يصرخون ويركضون ويتعانقون، ويتقاسمون الفرح بنفس النبض، وبنفس الدموع الصادقة، وهم يشاركون، بوعي ومسؤولية، في صناعة حاضر المغرب ورسم ملامح مستقبله.

أمام هذا المشهد المهيب، وجدتني مدفوعاً إلى الكتابة.

أكتب لأفرح، ولأفتخر بشرف انتمائي إلى شعب عريق وراقٍ، جعل من كرة القدم قصة نجاح وطنية، ومنح الفرصة للشعب المغربي، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ليُعبّر من جديد عن ذاته، ويؤكد معدنه الأصيل، وطينته المتجذرة، ومرجعيته الثابتة، وهويته الجامعة، وتاريخه المجيد، وحاضره الواعد، ومستقبله الموحد.

هنيئاً للمغرب بمغاربته،
وهنيئاً للمغاربة بمغربهم

*أحمد توفيق حجيرة – وزير سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *