في السياسة، هناك خطأ شائع يقع فيه كثيرون: يعتقدون أن المواقف الدولية يجب أن تُبنى على الحب أو الكراهية، على التعاطف أو النفور. لكن الحقيقة أبسط وأقسى في الوقت نفسه: السياسة تُبنى على المصالح.

لهذا لا أجد حرجاً في القول إنني يمكن أن أكون مع ترامب في قضية تتعلق ببلدي. ليس لأنني أنتمي إلى مدرسته السياسية، ولا لأنني أتفق معه في كل مواقفه، بل لأنني أفهم السياسة بمنطق البراغماتية: من يدعم قضية بلدي، ألتقي معه في تلك اللحظة السياسية.

في عالم اليوم، لم تعد التحالفات الدولية ثابتة كما كانت في الماضي. نحن نعيش مرحلة إعادة تشكيل للنظام الدولي، حيث تتغير موازين القوة بسرعة، وتتبدل مواقع الدول وفق مصالحها الاستراتيجية.

لذلك فإن الدول الذكية هي التي تعرف كيف تقرأ هذه التحولات، وتبني تحالفاتها بمرونة ووعي.

لقد أدخل دونالد ترامب إلى السياسة الدولية أسلوباً مختلفاً يقوم على الصفقات والمصالح المباشرة. قد يراه البعض أسلوباً صادماً، لكنه في الحقيقة أعاد التذكير بقاعدة قديمة في العلاقات الدولية: الدول لا تتصرف بدافع العواطف، بل بدافع المصالح.

ومن هذا المنطلق، فإن تقييم أي زعيم دولي يجب أن يتم وفق تأثيره في القضايا الاستراتيجية لبلدك. فإذا اتخذ موقفاً يدعم وحدة بلدك أو مصالحه الحيوية، فمن الطبيعي أن يُنظر إلى ذلك بواقعية سياسية، بعيداً عن الأحكام الأيديولوجية المسبقة.

المشكلة في جزء من خطابنا السياسي في العالم العربي أنه ما زال أسير ثنائيات قديمة: صديق أو عدو، خير أو شر. بينما السياسة الحديثة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فقد تختلف مع دولة في ملفات كثيرة، لكنها تدعمك في ملف حاسم. هنا يظهر الفرق بين التفكير الأيديولوجي والتفكير البراغماتي.

البراغماتية السياسية لا تعني التخلي عن المبادئ، بل تعني تحديد الأولويات. والوطن يجب أن يكون دائماً في قمة هذه الأولويات.

في هذا السياق، تشهد المنطقة تحولات إقليمية عميقة: إعادة رسم للتوازنات في شمال إفريقيا، وتغيرات في منطقة الساحل، وصراع متزايد حول النفوذ الاقتصادي والأمني في القارة الإفريقية. وهذه التحولات تفرض على الدول أن تعيد صياغة علاقاتها الدولية وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى.

لقد أصبح واضحاً أن من يفهم موقع بلده داخل هذه التحولات هو القادر على الدفاع عن مصالحه. أما من يظل أسيراً للخطاب العاطفي أو الشعبوي، فإنه يضع بلده خارج لعبة التوازنات الدولية.

إن الجرأة السياسية اليوم ليست في رفع الشعارات، بل في القدرة على اتخاذ مواقف واقعية حتى لو كانت غير شعبية. لأن الدفاع عن الوطن لا يكون بالتصفيق الجماهيري، بل ببناء تحالفات ذكية تخدم مصالحه الاستراتيجية.

لهذا، حين يقول البعض باستغراب: كيف يمكن أن تكون مع ترامب؟

أجيب ببساطة: أنا لست مع ترامب كشخص، بل مع بلدي كقضية.

فالسياسة ليست علاقة عاطفية مع الزعماء، بل قراءة دقيقة لموازين القوة في العالم. ومن لا يفهم هذه الحقيقة سيبقى يردد الشعارات، بينما تتحرك الدول الأخرى ببرودة أعصاب لتحقيق مصالحها.

لهذا فإن البراغماتية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية. وفي عالم يُعاد تشكيله بسرعة، لا يمكن للدول أن تدافع عن مصالحها إلا بعقل واقعي ورؤية استراتيجية واضحة.

قد نختلف مع دونالد ترامب في كثير من القضايا، لكن عندما يتعلق الأمر بقضية بلدي، فإن الموقف يصبح واضحاً: أنا مع من يقف مع بلدي.

بكل وضوح ومسؤولية

*بديعة الراضي| كاتب صحفية وقيادية سياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *