انتشر مقطع فيديو نشره مسافر جزائري من على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية، خلال رحلة من مطار هيثرو بلندن إلى مطار الجزائر العاصمة، تحدث فيه عن واقعة ترحيل أحد الركاب الجزائريين بعد دخوله في نوبة صراخ وهيستيريا، تخللتها ألفاظ نابية وسبّ وشتم أمام المسافرين، رفضًا لتنفيذ قرار ترحيله.

مثل هذه السلوكيات المشينة تسيء، قبل كل شيء، إلى صورة الجزائريين أنفسهم، ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة.
فهي تعكس نماذج من الانحدار الأخلاقي، وتغذي صورًا نمطية سلبية، خاصة في الفضاءات الدولية، حيث يُفترض أن يكون السلوك الفردي عنوانًا لاحترام الذات والآخر.

وتزداد خطورة هذه الظواهر حين تتكرر دون مساءلة أو ردع، إذ تتحول من تصرفات فردية إلى ممارسات تسيء إلى صورة الجزائريين في المهجر، في وقت يقدم فيه آلاف الجزائريين نماذج مشرفة في العمل، والاندماج، واحترام القوانين، والمساهمة الإيجابية في المجتمعات التي يعيشون فيها.

لقد أصبح العنف اللفظي واللغة المنحطة ظاهرة مقلقة في الفضاء العام الجزائري، ولم تعد حالات معزولة، بل نتيجة طبيعية لثقافة سياسية وإعلامية مأزومة، طبّعت مع الشتيمة، وشرعنت الخطاب العدواني تحت شعارات زائفة مثل “الوطنية” و“الدفاع عن الدولة”، بل وكرّمت رموزه في مناسبات عدة دون حرج.

يأتي هذا في وقت عاد فيه الجدل من جديد حول سلوك بعض جماهير المنتخب الجزائري، وذلك على خلفية أحداث رافقت نهائيات كأس أمم أفريقيا التي احتضنها المغرب، حيث تم توثيق عدد من التصرفات التي أثارت استياءً واسعًا، سواء داخل الملاعب أو خارجها.

ومن بين هذه الوقائع، بث مقاطع فيديو تتضمن السبّ والشتم في حق البلد المضيف وساكنته، في سلوك يتنافى مع أبسط قيم الروح الرياضية والاحترام المتبادل. كما أثار جدلًا واسعًا تصرف المؤثر الجزائري رؤوف بلقاسمي، الذي ظهر في بث مباشر وهو يتبول داخل مدرجات ملعب مولاي الحسن بالرباط، خلال مباراة المنتخب الجزائري أمام الكونغو الديمقراطية، في مشهد صادم لا ينسجم مع أخلاقيات الفضاءات العامة.

وسُجلت كذلك حوادث اعتداء لفظي وجسدي تورط فيها صحفيون جزائريون ضد زملاء لهم من دول أفريقية أخرى، داخل المنطقة المختلطة بملعب مراكش، في انتهاك صريح لأعراف العمل الصحفي. إضافة إلى ذلك، تم توثيق تورط بعض أنصار المنتخب الجزائري في أعمال سرقة داخل الملاعب وخارجها، وفق ما تداولته مصادر إعلامية وشهادات متطابقة.

إن الخلل العميق يكمن في منظومة قيمية وسياسية غذّت الانحطاط بدل الارتقاء، وروّجت للعنف بدل الحوار، فكانت النتيجة مشاهد مخجلة تسيء بشكل بالغ إلى صورة الجزائر، وتضع المجتمع أمام مسؤولية جماعية لمراجعة الخطاب والسلوك، واستعادة المعنى الحقيقي للتحضر، داخل الوطن وخارجه.

*جريدة le12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *