عادت قضية “رؤية الهلال” لتشعل فتيل الانقسام داخل المؤسسات الإسلامية في فرنسا، واضعةً ملايين المسلمين أمام مأزق ديني وتنظيمي غير مسبوق.
ففي مشهد يغلب عليه الطابع السياسي أكثر من الفقهي، صدر بيانان متناقضين حول موعد غرة شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، مما حول انتظار “البشرى” إلى حالة من الارتباك الشديد.
الرواية والموقف.. الخميس أم الأربعاء؟
أعلن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM)، المؤسسة التي تضم في تركيبتها نحو 2500 مسجد، أن يوم الخميس 19 فبراير هو أول أيام الصيام.
واستند المجلس في قراره إلى معطيات علمية دقيقة بالتعاون مع “Météo France”، مؤكداً أن رؤية الهلال مستحيلة قبل مساء الأربعاء.
في المقابل، غردت إدارة مسجد باريس الكبير خارج سرب المجلس، معلنةً أن يوم الأربعاء 18 فبراير هو أول أيام الشهر الفضيل، بناءً على اجتماع لجنتها الدينية ومراجعتها للمعطيات الفلكية، وهو ما وضع العائلات المسلمة في حيرة من أمرها بين اتباع “العلم والتمثيلية الديمقراطية” أو “الرمزية التاريخية للمسجد الكبير”.
خلفيات الأزمة.. حين تنطق السياسة بلغة الدين
يرى مراقبون أن هذا التباين ليس مجرد خلاف فني حول ميلاد القمر، بل هو انعكاس لـ “صراع التمثيلية” والولاءات العابرة للحدود.
فبينما يرتكز المجلس الفرنسي (CFCM) على شرعية انتخابية ديمقراطية وقاعدة واسعة من المساجد، يُنظر إلى مسجد باريس الكبير كذراع ديني مرتبط مباشرة بالجزائر، حيث يتم تعيين رئيسه بقرار سياسي.
هذا التوصيف عززه الإعلامي محمد واموسي، الذي اعتبر الانقسام بمثابة “مباراة سياسية” تجري أحداثها على ملعب الشعائر الدينية، بهدف إثبات من يملك “كلمة الفصل” وسلطة القرار الديني للجالية في بلاد المهجر.
تداعيات “التسييس” على استقرار الجالية
تسبب هذا التناقض في انقسام حاد داخل البيوت المسلمة؛ فبينما يميل البعض لاتباع المجلس الفرنسي لضمان الوحدة المحلية، يجد البعض الآخر نفسه منساقاً خلف بيان مسجد باريس لروابط عاطفية أو وطنية.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية، وتعميق التجاذبات الإقليمية داخل النسيج المجتمعي الفرنسي، بالإضافة إلى صعوبة تنظيم الأعياد والمناسبات مع السلطات المحلية والشركات.
نحو “فرنسة” الممارسة الدينية
يفتح هذا المشهد الباب واسعاً أمام ضرورة تحييد الشعائر الروحية عن التجاذبات السياسية.
ويطالب نشطاء بضرورة إيجاد مرجعية وطنية موحدة تعتمد المعايير العلمية والمصلحة العامة للجالية، بعيداً عن صراعات “التمثيلية” والولاءات الخارجية، لضمان استقرار ممارسة الشعائر الدينية في مجتمع علماني يتطلب وضوحاً في المواعيد والقرارات.
إ. لكبيش / Le12.ma
