دخل القانون رقم 71.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة حيز التنفيذ رسميا ب 29 -01- 2026 . هذا القانون لا يعد مجرد تعديل بسيط ، بل هو تحول جوهري يهدف إلى موازنة الحقوق المالية وحماية الحرية الفردية ، عبر إقرار آليات تغلب منطق الصلح واسترداد الأموال على منطق الاعتقال .
أهم المستجدات التي جاء بها هي :
أولا : مسطرة الإعذار
في ظل النظام القديم ، كانت المتابعة الجنائية في جرائم الشيك فبمجرد وضع الشكاية و معاينة انعدام الرصيد ، تتحرك الدعوى العمومية وغالبا ما ينتهي الأمر بالاعتقال الاحتياطي للساحب . أما القانون الجديد ، فقد أرسى قاعدة الإعذار المسبق ، حيث أصبحت النيابة العامة ملزمة عبر الشرطة القضائية بمنح الساحب مهلة 30 يوما (قابلة للتمديد لثلاثين يوماً أخرى بموافقة المستفيد) لتسوية وضعيته وأداء قيمة الشيك قبل المتابعة .
ثانيا : العقوبات الحبسية
طرأت تغييرات جوهرية على العقوبات السالبة للحرية ، فبينما كان القانون القديم يعاقب على عدم توفير المؤونة بالحبس من سنة إلى 5 سنوات ، خفض القانون الجديد هذه العقوبة لتصبح من 6 أشهر إلى 3 سنوات فقط . والأهم من ذلك هو إلغاء الحبس كليا في جنحة قبول شيك على سبيل الضمان ، حيث استبدلها المشرع بغرامة مالية قدرها 2% من قيمة الشيك ، معتبرا إياها مخالفة مالية أكثر منها جريمة جنائية تستوجب السجن .
ثالثا : بخصوص العقوبات البديلة
جاء القانون 71.24 بـ استثناء صريح ، حيث قرر عدم جواز تطبيق العقوبات البديلة على جرائم الشيك .
وهذا يعني أن الشخص المدان لا يمكنه استبدال عقوبة السجن بأي بديل آخر فالطريق الوحيد المفتوح أمامه لتجنب السجن هو الأداء الفعلي أو التنازل فقط .
رابعا : بخصوص آليات التصالح وسقوط الدعوى
وسع القانون الجديد من مفعول الصلح بشكل كبير مقارنة بـ النظام القديم . سابقا كان الأداء المتأخر قد يخفف العقوبة لكنه لا يوقفها بالضرورة في جميع مراحلها .
حاليا أصبح أداء قيمة الشيك أو الحصول على تنازل مع أداء غرامة قانونية قدرها 2% كافيا لـ سقوط الدعوى العمومية بقوة القانون ، حتى لو كانت القضية في مرحلة التنفيذ ، ويتم الإفراج فورا عن المعتقلين .
خامسا : بخصوص التجريم داخل الإطار العائلي
في القانون القديم ، كان الشيك وسيلة أداء مطلقة بغض النظر عن هوية الساحب والمستفيد . أما القانون الجديد ، فقد استحدث استثناء إنسانيا ، حيث قرر عدم تجريم إصدار شيك بدون رصيد إذا كان النزاع بين الأزواج أو الأصول أو الفروع من الدرجة الأولى . واعتبر المشرع أن هذه الحالات تفتقر إلى صبغة الجريمة (لا جريمة ولا عقوبة) ، وتظل الحماية قائمة حتى بعد الطلاق لمدة 4 سنوات ، وذلك حفاظا على الروابط الأسرية من التشتت .
سادسا : بخصوص الغرامات والذعائر المالية
انتقل المشرع من الغرامات الثقيلة في النظام القديم التي كانت تصل إلى 25% من قيمة الشيك لتسوية الوضعية البنكية إلى غرامات تحفيزية في القانون الجديد . فلكي يستفيد الساحب من سقوط المتابعة ، يكفي أداء غرامة بنسبة 2% فقط من مبلغ الشيك أو الخصاص لصندوق المحكمة ، مما يشجع المدينين على تسوية ديونهم بدلا من الهروب من عقوبات مالية تعجيزية .
سابعا : بخصوص تدابير الرقابة القضائية
بينما كان الاعتقال الاحتياطي هو القاعدة في النظام القديم لضمان حضور الساحب ، أتاح القانون الجديد للنيابة العامة وضع الساحب تحت أحد تدابير المراقبة الإلكترونية خلال فترة المهلة الممنوحة له ـ الإعذار ـ . هذا التدبير يضمن بقاء الساحب تحت يد العدالة دون تجريده من حريته ، مما يمنحه فرصة لممارسة نشاطه والبحث عن موارد مالية لأداء ما بذمته .
هذه التعديلات ، تظهر بوضوح أن المشرع المغربي انتقل من العدالة الزجرية التي تهدف للعقاب ، إلى العدالة التصالحية التي تهدف إلى استخلاص الحقوق المالية بالدرجة الأولى .
*سهام الكمراوي- محامية بهيئة العرائش
