مع حلول شهر رمضان من كل سنة، يطفو على سطح النقاش العمومي في المغرب جدل لا يكاد يهدأ حتى يشتعل من جديد؛ إنه النقاش حول الفصل 222 من القانون الجنائي، الذي يجرم الإفطار العلني في نهار رمضان.
هذا العام، اتخذ السجال أبعاداً أكثر حدة، متأثراً بدينامية الإصلاحات التي تشهدها منظومة العدالة في المملكة، وتزايد المطالب الحقوقية بملاءمة التشريعات الوطنية مع التحولات الاجتماعية والالتزامات الدولية.
نص الجدل.. ما هو الفصل 222؟
ينص الفصل المثار للجدل على أن كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة مالية.
هذا النص القانوني، الذي تعود جذوره التاريخية إلى حقبة الحماية، يضعه المدافعون عن الحريات الفردية تحت مجهر النقد باعتباره إرثاً لم يعد يلائم مغرب القرن الحادي والعشرين.
بينما يراه المدافعون عن الهوية الإسلامية للدولة صمام أمان ضروري للحفاظ على التماسك الاجتماعي وحماية الشعائر الدينية من أي اقتحام قد يوصف بالمستفز.
جبهة المطالبين بالإلغاء.. “الحرية لا تجزأ”
تعتبر الحركات الحقوقية وعدد من النشطاء المدنيين أن الفصل 222 بات متجاوزاً من الناحية الحقوقية، حيث يرون أن الصيام يظل علاقة روحية خاصة بين الفرد وخالقه، ولا يحق للدولة أو القانون التدخل في القناعات الشخصية أو ممارسة دور “الرقيب الديني”.
وتتركز مرافعة هذا التيار حول فكرة أن الطابع القمعي للعقوبة الحبسية يسيء لصورة المغرب في المحافل الدولية، ويتنافى بشكل صريح مع روح دستور 2011 الذي يقر بحماية الحريات الفردية، ومع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه المملكة، مما يفرض ضرورة رفع الوصاية القانونية عن الاختيارات الشخصية للأفراد في الفضاء العام.
جبهة المدافعين عن الفصل.. “احترام الشعور العام”
في المقابل، يرفض تيار واسع يضم هيئات محافظين ومؤسسات دينية إلغاء هذا النص، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الأمر لا يتعلق بالتضييق على الحريات بقدر ما يتعلق بحماية “المجال العام” من سلوكيات قد تخدش السكينة المجتمعية.
ويستند هذا الطرف في دفاعه إلى مفهوم الأمن الروحي للمغاربة، معتبرين أن المجاهرة بالإفطار في بلد دستوره الإسلام تشكل استفزازاً مباشراً لمشاعر الملايين من الصائمين.
كما يخشى هؤلاء من أن يؤدي إلغاء التجريم إلى حدوث فوضى أو مشادات في الشارع، مشددين على أن لكل مجتمع خصوصياته الثقافية التي يجب أن تُحترم، وأن الحرية الفردية تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين في ممارسة شعائرهم في بيئة تسودها الهيبة والوقار.
قراءة في موازين القوى
بين هذين التيارين المتعارضين، تبرز أصوات تنادي بتبني “حل وسط” ينهي الاحتقان السنوي، من خلال مراجعة صياغة الفصل لرفع العقوبة الحبسية والاكتفاء بغرامات رمزية، أو حصر التجريم في حالات “الإخلال البين بالنظام العام” فقط.
ويبقى الترقب سيد الموقف لما ستسفر عنه التعديلات المرتقبة في مدونة القانون الجنائي، وسط تساؤلات ملحة حول قدرة المشرع المغربي على إيجاد توليفة توازن بين احترام العقيدة الدينية للمجتمع وبين ضمان الحقوق والحريات الفردية التي ينص عليها الدستور.
إدريس لكبيش/ Le12.ma
