ليس سهلا أن تكتب عن رجل كان جزءا من بداياتك، من ارتباكك الأول، ومن حماستك التي كانت تكبر أسرع من تجربتك. وليس سهلا أن ترثي إعلاميا لم يكن مجرد اسم في ترويسة جريدة، بل كان وجها، وصوتا، ويدا ممدودة لشباب كانوا يحلمون بالصحافة قبل أن يتعلموا قسوتها.
رحل سعيد حجاج، المعروف بنجيب السالمي، أحد أعمدة الإعلام الرياضي المغربي، ورئيس القسم الرياضي السابق بجريدة لوبينيون، والرئيس الأسبق للجمعية المغربية للصحافة الرياضية. رحل الرجل، وبقي الأثر.
تعرفت عليه في أواسط التسعينات، حين كنا فتية بدار الشباب المسيرة بتمارة، نحلم بأن نصير صحافيين، ونمارس الإعلام أكثر مما نفهمه.
كنا نصدر جريدة رياضية محلية بعنوان “الساحة الرياضية”، نخطها بأيدينا، ونصممها ببراءة الهواة، وننشرها لفائدة الجمهور الرياضي في مدينة تمارة على صبورة/ نافذة مفتوحة بأربعة ابواب بحجم تابلويد في 12 صفحة.
لم يكن بيننا وبين “المؤسسات” سوى الشغف… وكان سعيد حجاج أحد أوائل من أخذ هذا الشغف على محمل الجد.
كنت أتردد على مكتبه بصفتي كاتبا عاما لنادي هواة الصحافة الرياضية، ثم للجمعية المغربية لأصدقاء الصحافة الرياضية.
هناك، في ذروة ضغط الإغلاق اليومي لجريدة لوبينيون، وفي توقيت “الذروة” ما بين الثانية عشرة والواحدة والنصف، كان يستقبلنا بابتسامة، ويستمع إلينا كأننا زملاء لا مراهقون.. كان يعلق، يقترح، ينتقد أحيانا، ويشجع دائما.
بفضله نسجت علاقات، وفتحت أبواب، وحضر صحافيون وباحثون كبار إلى أنشطتنا التكوينية، وإلى النقاشات الرمضانية حول الشأن الرياضي والصحافة الرياضية.
أذكر من بينهم الزميلين الراجي وقريش والأكاديمي عبد الرزاق العكاري، كما لا أنسى دعمه المتواصل لأيامنا الدراسية والثقافية بدار الشباب، ولا معارض الصور الفوتوغرافية الرياضية التي كان يمدنا فيها بأرشيف لوبينيون، إلى جانب دعم زملاء من جريدة المنتخب، مثل بدري وبلمكي.
كان سعيد حجاج يفهم حماستنا، ويتعامل معها بحكمة الأب لا بسلطة المسؤول. عفويا في كلامه، قريبا في طبعه، بدا لي – وأنا شاب – شبيها بخالد الجامعي، في بساطة اللغة وبدوية التعبير وصدق الموقف، وهما زميلان جمعتهما الجريدة والمرحلة.
بعدما انتقل من مكتبه “الزاوية” بمقر لوبينيون من شارع علال ابن عبد الله؛ لاحقا، التقينا من جديد في مقر العلم ولوبينيون بشارع الحسن الثاني، بعد التحاقي بجريدة العلم محررا لشؤون العاصمة الرباط أولا ثم بجريدة الإختيار الجديد، مكلفا في الأخيرة بالصفحة الرياضية.
وهناك، اختبرنا أول سوء فهم مهني بيننا، بسبب مقال نقدي بعنوان (دوزي) “جندرمة الصحافة الرياضية”، لم يرق لكثيرين داخل الجمعية المغربية للصحافة الرياضية التي كان يرأسها.
لم أكن أقصد التنظيم في حد ذاته بداية، بل ممارسات بعض المنتسبين إليه.
وحين التقيته في مكتبه، قال لي باستغراب ممزوج بالابتسامة: “أنت اللي كتبتي ذاك المقال؟… مزيان”.
تحاورنا، اختلفنا، ثم ضحكنا. تدخل مدير نشر الإختيار الجديد: عبد الله البقالي بحكمة، ومنح السالمي حق الرد، وعادت الأمور إلى نصابها.
كان ذلك درسا مبكرا في الخلاف المهني النظيف، وفي أن النقد لا يقطع الود.
تواصلت اللقاءات بعد ذلك، حتى حين انتقلت إلى منابر أخرى، وكتبت بأسماء مستعارة، أبرزها “أنس بنمسعود”.
لم تنقطع صلة الوصل، ولم ينكسر ذلك العطف الأبوي، رغم اختلافي لاحقا مع مسار الجمعية، ومساهمتي في تأسيس إطار مهني آخر (الرابطة). ظل الاستقبال نفسه، والاحترام نفسه، والذاكرة نفسها.
وبقيت على اتصال به حتى بعد هجرتي. رأيته آخر مرة بحي حسان بالرباط. يومها لم يسألني عن الخلافات، وعن المواقع، ولا عن الاصطفافات.
سألني، باهتمام صادق، عن حياتي: كيف أعيش؟ ماذا أفعل؟ كيف تمضي أيامي؟.. كانت نظرته مليئة بحنان الأبوة، وكلماته مشبعة بدعاء خالص بالتوفيق.
خرجت من ذلك اللقاء وأنا أشعر أن بعض العلاقات لا يفسدها الزمن ولا الاختلاف، لأنها بنيت أصلا على النية الطيبة.
أشهد أن الرجل بما له وما عليه؛ كان صوتا مسموعا، ووجها محترما في تمثيل الصحافة الرياضية المغربية دوليا (محتضنا لأول مرة بالمغرب للمؤتمر العام للاتحاد الدولي للصحافة الرياضية بمراكش سنة 2005)، وأن مقالاته كانت تصل إلى دوائر القرار، خصوصا في زمن إدريس البصري، حين كانت لوبينيون لسان حزب الاستقلال في المعارضة.
أكثر ما بقي في ذاكرتي، هو طريقته في تقديمنا صغارا، في أول احتفال باليوم العالمي للصحافة الرياضية يوم 2 يوليوز 1996، بقاعة وكالة المغرب العربي للأنباء.
يومها شعرنا لأول مرة أننا “نوجد”.
رحم الله سعيد حجاج، نجيب السالمي.
رحم الله من فتح الأبواب بدل أن يحرسها،
ومن آمن بالفتيان قبل أن يصيروا شبابا.
عبد المجيد الفرجي
