أنهت بعثة FMI مشاوراتها مع المغرب لسنة 2026، حاملةً رسالة مزدوجة: إشادة صريحة بالاستقرار الماكرواقتصادي، وتحذير هادئ من تحديات المرحلة المقبلة.

في الظاهر، البلاغ تقني. لكن في العمق، هو وثيقة سياسية–اقتصادية ترسم تحديات المستقبل.

أول الرسائل العميقة تتعلق بالثقة. عندما يتحدث الصندوق عن نمو يناهز 4,9% لسنتين متتاليتين، وعن تضخم منخفض في حدود 0,8%، وعن احتياطيات دولية “كافية”، فهو يبعث إشارة قوية للأسواق: المغرب اقتصاد مستقر، قابل للتمويل، ومحصّن نسبياً ضد الصدمات.

هذه الإشارة ليست رمزية، بل تؤثر مباشرة في كلفة الاقتراض وتصنيف المخاطر السيادية.

غير أن هذه الثقة ليست مطلقة. فهي مشروطة باستمرار الانضباط المالي وتعميق الإصلاحات. وهنا تأتي الرسالة الثانية: لا تجعلوا طفرة المداخيل الجبائية ظرفية تتحول إلى التزامات إنفاق دائمة.
بلوغ المداخيل 24,6% من الناتج الداخلي الخام وتراجع العجز إلى 3,5% يمثلان إنجازاً، لكن الصندوق يلمّح بوضوح إلى ضرورة ادخار جزء من هذا الأداء لإعادة بناء الهوامش الميزانياتية، تحسباً لصدمات مستقبلية.

الرسالة الثالثة تتعلق بتسارع الاستثمار العمومي. المغرب يعيش موجة استثمارية كبرى استعداداً لتحولات هيكلية واستحقاقات دولية. غير أن الصندوق يحذر من “إدارة المخاطر”، خصوصاً ما يرتبط بالمؤسسات والمقاولات العمومية.
المعنى واضح: الاستثمار مطلوب، لكن نجاعته هي الفيصل. فالاستثمار الذي لا يرفع الإنتاجية ولا يعزز الصادرات قد يضغط على الحساب الجاري ويعمّق الاعتماد على الواردات.

أما على المستوى النقدي، فقد حظيت سياسة بنك المغرب بإشادة واضحة. غير أن التشجيع على مزيد من مرونة سعر الصرف يكشف توجهاً استراتيجياً: المغرب يُدفع تدريجياً نحو استهداف تضخم أكثر صرامة، ما يعني انتقالاً أعمق في فلسفة السياسة النقدية.

لكن النقطة الأكثر حساسية في البلاغ هي التشغيل.
فالنمو القوي لا يكفي إذا لم يتحول إلى مناصب شغل مستدامة.
البطالة، خاصة في صفوف الشباب، تظل التحدي البنيوي الأكبر.
وهنا يلمّح الصندوق إلى أن الإصلاح الحقيقي يجب أن يمر عبر مناخ أعمال أكثر تنافسية، قطاع خاص أقوى، وسوق شغل أكثر مرونة وملاءمة للمهارات.

المغرب إذا اجتاز مرحلة تثبيت الاستقرار الماكرو اقتصادي بنجاح.
غير أن المرحلة المقبلة هي مرحلة “جودة النمو”.
فالسؤال لم يعد هل ينمو الاقتصاد؟، بل كيف ينمو؟، ولمن ينمو؟، وبأي مردودية إنتاجية؟.

الدكتور -إدريس الفينة خبير في الشوؤن الاقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *