حتى وإن كانت نتيجة أحكام الكاف ستكون مخففة في حق منتخب السنغال وغير منصفة للمغرب، فإنه من الضروري فهم بعض الأمور المرتبطة بالموضوع، ومنها فهم السياق الذي زار فيه الوفد من الحكومة السنغالية الذي يرأسه رئيس وزراء السنغال، وهي زيارة ينبغي استيعابها والقيام بقراءة هادئة لها.

السنغال هي الشريك الاقتصادي الأول للمغرب في منطقة غرب إفريقيا.

في عام 2023 بلغ صافي تدفقات الاستثمارات المغربية نحو السنغال أكثر من مليار درهم، وتم تسجيل حوالي 400 مليون درهم من تدفق الاستثمارات خلال عام 2024، ويُصنف المغرب كأول مستثمر إفريقي في منطقة غرب إفريقيا، وتعتبر السنغال الوجهة الرئيسية لهذه الاستثمارات، حيث تستحوذ السنغال على حصة الأسد من الصادرات المغربية الموجهة لإفريقيا جنوب الصحراء بنسبة تقارب 12%.

أهم الاستثمارات تتمثل في القطاع البنكي والتأمين وهو القطاع الأقوى، حيث تهيمن الأبناك المغربية على جزء كبير من المشهد المالي السنغالي عبر مؤسسات مثل:

التجاري وفا بنك الذي يمتلك شبكة واسعة تضم 90 فرعاً، والبنك الشعبي، وبنك إفريقيا.

ثم هناك إستثمارات مغربية في السنغال في التعدين والصناعة، منها الذهب، حيث كانت بعض التقارير قد أفادت بأن مجموعة “مناجم” المغربية ستشرع في إطلاق إنتاج الذهب في مشروع “بوطو” بالسنغال بحلول صيف 2025، وهو استثمار استراتيجي يعزز حضور المغرب في قطاع المعادن.

هناك أيضا الفوسفاط والأسمدة، حيث يتواجد المكتب الشريف للفوسفاط بقوة لدعم الفلاحة السنغالية عبر توفير الأسمدة الملائمة للتربة المحلية.

ثم هناك الطاقة والبنية التحتية حيث تساهم الشركات المغربية في مشاريع مد القنوات، والكهربة القروية، وبناء المنشآت الكبرى، وهناك قطاعات أخرى تشمل مجالات العقار، والصناعة الصيدلانية، أي الأدوية، والتكنولوجيات الحديثة، والصناعات الغذائية.

المغرب، مع عدم توفره على الغاز و البترول اللذين بشكلان أساس ثراء بعض الدول، حسب تحليلات المتخصصين في السياسات الماكرو إقتصادية، لا بديل له من أجل الحفاظ على توازنه الاقتصادي وتسلق الدرجات في سلم النمو مواصلة نهضته في مجال البناء والتشييد لتحديث بنياته التحتية، من الإبقاء على متانة علاقاته مع بلدان غرب إفريقيا، في إطار سياسة رابح رابح.

والربح المتبادل يقتضي أن تعطيني وأعطيك.

هناك بلدان تسعى إلى فرض عزلة على المغرب في محيطه الإفريقي الغربي، لأنها تعلم جيدا حجم الأرباح التي تجنيها الخزينة العمومية المغربية من الاستثمارات في بلدان غرب إفريقيا.

في هذا السياق، من المعلوم أن قياس نهضة الأمم لا يرتبط بالضرورة بعدد الكؤوس في خزائنها الرياضية، بل بمدى صلابة بنيتها التحتية وقدرتها على تحقيق نمو مستدام ينعكس على حياة مواطنيها.

ففي الوقت الذي قد ينشغل فيه البعض بالانتصارات الكروية اللحظية، نجد نماذج لدول اختارت مساراً أعمق، حيث جعلت من الرياضة وسيلة للتسويق والنمو وليست مجرد غاية للتتويج.

رواندا، على سبيل المثال، تقدم اليوم للعالم درساً في المعجزة التنموية.

فرغم أن منتخبها الكروي لم يذق طعم الألقاب القارية، إلا أنها تحولت إلى قوة اقتصادية إفريقية بفضل استثمارات هائلة في الرقمنة والسياحة الفاخرة، مستغلة شراكات رياضية عالمية للترويج لبيئتها الاستثمارية النظيفة والمستقرة، مما جعلها من أسرع اقتصادات القارة نمواً.

وفي شرق القارة الإفريقية، تبرز كينيا كعملاق تكنولوجي يقود الثورة الرقمية في المنطقة. وعلى الرغم من أن سجلها الكروي يخلو من البطولات القارية الكبرى، إلا أنها استثمرت في العقول والابتكار التقني والإلكتروني، محققة نهضة عمرانية واقتصادية جعلت من نيروبي مركزاً مالياً إقليمياً ضخما.

هذا المسار يؤكد أن الدولة القوية هي التي تبني منصات للنمو الصناعي والتقني أولاً، تاركةً الإنجاز الرياضي ينضج على نار هادئة كتحصيل حاصل لبيئة وطنية منظمة ومنتجة.

بالانتقال إلى القارة الآسيوية، نجد فيتنام التي أصبحت تنيناً يصعد بسرعة البرق في سلاسل الإمداد العالمية والصناعات الإلكترونية.
فبينما يغيب اسم منتخبها عن منصات تتويج كأس آسيا، يحضر اسمها بقوة في تقارير المؤسسات المالية الدولية كواحدة من أكثر الوجهات جذباً للاستثمار الأجنبي بفضل كفاءة يدها العاملة وتطور بنيتها اللوجستية.

وفي أوروبا، تقدم إستونيا نموذجاً فريداً بكونها الجمهورية الرقمية الأولى عالمياً. فرغم تاريخها الكروي المتواضع، إلا أنها استطاعت بناء مجتمع معرفي متكامل، حيث تدار الدولة بالكامل عبر الفضاء الرقمي، محققةً دخلاً فردياً ورفاهية اجتماعية تتفوق بها على دول عريقة كروياً، لتثبت هذه النماذج مجتمعة أن البطولة الحقيقية تكمن في القدرة على تحصين السيادة الوطنية عبر بوابة التنمية والازدهار الشامل.

وهذا ما كان

أحمد الدافري: كاتب صحفي ومحلل سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *