«التواضع مفتاح النجاح». كما قال وليد الركراكي، ليست جملة عابرة، بل خلاصة تجربة كاملة لمنتخب وطني عاش بين قمتين: قمة المجد في مونديال قطر 2022، وقاع الإحباط في كأس إفريقيا بالكوت ديفوار 2023. 

حين قالها وليد الركراكي، اليوم، أعاد فتح نقاش قديم جديد: هل كان الغرور سببا حقيقيا في غياب الكأس الإفريقية عن المغرب لأكثر من نصف قرن؟ وهل تعلم الناخب الوطني من دروس الماضي القريب؟.

هذا الخطاب يعيدنا إلى الركراكي الأول، ذاك الذي سبق مونديال قطر، حين بنى مشروعه على التواضع، احترام الخصم، ووضع “الأرجل في الأرض”، مؤمنا بأن النية الصادقة والعمل الجماعي قد يصنعان المستحيل. 

ذلك الخطاب كان وقود إنجاز تاريخي، بلغ فيه المغرب نصف نهائي كأس العالم، وكتب صفحة مضيئة في تاريخ الكرة العربية والإفريقية.

غير أن ما بعد قطر لم يكن كما قبلها. تغيّر الخطاب، وارتفع السقف، وحضر التعالي في مواجهة الإعلام والجمهور وحتى الخصوم. ومع التعالي، غاب التواضع، وغابت النية، وحضر اللعب بالكلمات بدل اللعب في الملعب. 

النتيجة كانت موجعة: إقصاء مبكر من ربع نهائي كأس إفريقيا بالكوت ديفوار، ومسار متذبذب في إقصائيات مونديال 2026، حيث حضرت النتائج أحيانا وغاب الإقناع في أغلب الأحيان.

وفي نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، بدا أن الركراكي دخل المنافسة بالمنطق ذاته، خطاب اصطدامي ونبرة فوقية. لكن الجمهور والإعلام كانا هذه المرة أكثر حسما، خصوصا بعد التعادل أمام مالي، حيث ارتفعت الأصوات المطالبة برحيله وتعويضه بمدرب محلي هو طارق السكتيوي، الذي كان قد قاد المنتخب للتتويج بكأس العرب بخطاب هادئ وتواضع واضح.

عندها، استشعر الركراكي الخطر. فكان التغيير. تغيّر الأسلوب، فجاء الفوز بثلاثية أمام زامبيا. وتغيّر الخطاب، فعاد التواضع إلى الواجهة. 

واليوم، قبل مواجهة تنزانيا في دور خروج المغلوب، نرى في جريدة le12.ma، أن الناخب الوطني كرس هذا التحول، بخطاب واقعي، يحترم الخصم، ويحذر من المفاجآت، ويؤكد أن الترشيح المسبق قد يكون سلاحا ذا حدين.

الركراكي تحدث عن الواقعية، عن منتخب يضغط باستمرار، وعن مجموعة لا تعتمد على لاعب واحد مهما كان اسمه، سواء تعلق الأمر ببراهيم دياز أو أشرف حكيمي. تحدث عن العمل والصبر، مستشهدا بمسار أيوب الكعبي كنموذج للاعب لم يستسلم، وفتح الأمل أمام الشباب المغاربة.

اليوم، الكرة في ملعب وليد الركراكي. فالتواضع الذي قاد السكتيوي إلى منصة التتويج العربية، هو نفسه الذي قاد الركراكي إلى نصف نهائي العالم. 

وإذا كان الغرور قد أبعد الكأس الإفريقية عن المغرب لعقود، فإن العودة إلى الجذور، إلى البساطة والنية والعمل، قد تكون الطريق الأقصر لكسر هذا النحس التاريخي.

ففي إفريقيا، لا يفوز الأقوى على الورق دائما، بل الأذكى ذهنيا… والأكثر تواضعا في إحترام الجميع.. 

*الرباط- جلال حسناوي/le12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *