مرة أخرى، يثبت حزب التجمع الوطني للأحرار أن “المفاجأة” ليست مجرد صدفة عابرة في مساره، بل هي جزء أصيل من عقيدته السياسية ومنهجه في التدبير منذ مجيء اخنوش.

التوافق على محمد شوكي لخلافة عزيز أخنوش لم يكن مجرد عملية انتخابية داخلية، بل كان “إخراجاً تنظيمياً” محكماً أكد حقيقة بنيوية: في عالم “الأحرار”، نادراً ما يقع ما نتوقعه بمنطق القراءة التقليدية.

الدرس الأبرز الذي قدمه الحزب في عهد اخنوش هو الإعلان الرسمي عن نهاية “عقلية الشيوخ” والارتهان لشرعية الأقدمية التي كبلت الأحزاب المغربية لعقود. بتقديم وجوه شابة وقيادات صاعدة مثل محمد شوكي، يرسخ الحزب المنهج الذي بدأه مع “الأسماء المستوزرة” التي لم يتوقعها أحد (لحسن السعدي، كريم زيدان، زكية دريوش..)، ومع ترشيحات الشباب في انتخابات 2021 (تحتوح، شيري، لمغور …) ومع رئاسة لجان برلمانية (زينة شاهين، سلمى بنعزيز) وعمداء مدن الرباط والدار البيضاء (فتيحة المودن، نبيلة الرميلي..) .

هو انتقال من “الحزب النادي” إلى “الحزب المؤسسة” الذي يؤمن بالكفاءة الميدانية والجاهزية السياسية فوق “كرونولوجيا” الانتماء.

يُظهر مسار هذا الانتقال أن قرار “الأحرار” بات قراراً سيادياً نابعاً من مؤسساته، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي كانت تطبع المشهد الحزبي قديماً.

كما أن سيناريو الخلافة كما تم إخراجه فكك القراءات التي رأت في عدم ترشح عزيز أخنوش لولاية ثالثة نوعاً من “الغضبة” أو العقاب السياسي.

على العكس تماماً؛ فالمساهمة الحاسمة لأخنوش في اختيار وصناعة خليفته تؤكد أنه مستمر ولكن بصفة “المرجع” لا “الفاعل اليومي”.

إنه انتقال ذكي يضمن الاستمرارية مع تغيير “رأس الحربة”، مما يحافظ على نهج الحزب وبرامجه دون الارتهان المباشر لشخص الزعيم في واجهة الصدام اليومي.

باعتماد عنصر المفاجأة وتقديم دماء جديدة، نجح الحزب في استراتيجية “امتصاص الصدمات”. لقد استطاع حماية بعض قادته التاريخيين من حملات الشيطنة و”القتل الرمزي” التي تستهدف عادة وجوه الصف الأول.

من خلال “المفاجأة”، يجد الخصوم أنفسهم أمام “هدف متحرك” ووجوه جديدة لا تملك الأجندات المعادية ضدها “أرشيفاً” من الصراعات، مما يمنح الحزب نفساً طويلاً للمناورة.

خلافاً لما يروج له البعض من أن رحيل أخنوش عن الرئاسة هو بداية النهاية، فإن المؤشرات تقول إن الحزب ربح الرهان الأصعب: مأسسة الاستمرارية.

التوافق على شوكي يعني أن “عنصر المفاجأة” سيظل ممتداً مع الانتخابات المقبلة، وأن الحزب يملك “خزاناً” من النخب القادرة على ضمان ولاية ثانية ب”مرجعية” مؤسسية يرافقها أخنوش.

‏عمر الشرقاوي / جامعي ومحلل سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *