أخطر ما يفعله السياسي… أن يتكلم ضد نفسه القديمة دون أن يعترف بها..

لا أستمع إلى عبد الإله بنكيران وإدريس الأزمي باعتباري متلقية لمواقف سياسية.

أستمع إليهما باعتباري شاهدة على ظاهرة أكثر تعقيدا: كيف يحاول السياسي أن ينجو من صورته السابقة دون أن يصطدم بها علنا.

ما يشغلني ليس ما يقولانه الآن، بل المسافة التي يحاولان رسمها بين صوتيهما اليوم وموقعيهما بالأمس..

كنت أتذكر، وأنا أستمع إليهما، ما حذر منه محمد عابد الجابري حين اعتبر أن أخطر ما يهدد الفاعل السياسي ليس الخطأ، بل عجزه عن نقد ذاته، لأن الذي لا ينقد نفسه يتحول، دون أن يشعر، إلى مجرد امتداد لما كان يدّعي معارضته.

بنكيران، حين يتكلم، يتكلم بخفة رجل تحرر.. رجل لم يعد ملزما بشيء، لا بتوازن، ولا بحساب، ولا بثمن.

لكن هذه الخفة نفسها تطرح علي سؤالا مقلقا: أين كانت هذه الحرية حين كان صوته جزءا من القرار، لا مجرد تعليق عليه؟ لا أطرح السؤال لأتهمه بالصمت، بل لأفهم كيف يصبح السياسي أكثر وضوحاً كلما ابتعد أكثر عن موقع التأثير.

أدرك أن السلطة تفرض لغتها، وأنها تعيد تشكيل حتى أكثر القناعات صلابة.

لكن ما يربكني هو أن بنكيران يتحدث اليوم كما لو أن تلك اللغة لم تكن لغته يوماً، كما لو أن الرجل الذي كان داخل السلطة والرجل الذي يقف خارجها الآن لا يتقاسمان الذاكرة نفسها.

أما الأزمي، فإن قَسَمه الأخير يكشف لي وجها آخر للمفارقة نفسها.

القَسَم، في ظاهره، موقف حاسم. لكنه، في عمقه، أيضا لحظة تحرر من اختبار لم يعد قائما.

لأن الموقف حين يأتي بعد أن يفقد قدرته على أن يكون فعلاً، يتحول إلى تعريف للذات أكثر مما هو محاولة لتغيير الواقع.

لا أتهم الأزمي بأنه لا يؤمن بما يقول. ما أفكر فيه أعمق من ذلك: أفكر في أن السياسي، حين يصبح خارج السلطة، لا يستعيد فقط حريته، بل يستعيد أيضاً حقه في أن ينسى القيود التي كانت تشكله.

من هذه الزاوية، يبدو لي بنكيران والأزمي أقل انشغالا بإقناعنا بمواقف جديدة، وأكثر انشغالا بإقناعنا بأنهما لم يكونا يوما مختلفين عما هما عليه الآن.

وهنا تحديدا أرى جوهر المسألة.

السياسي لا ينكشف حين يغير موقفه، بل حين يتكلم كما لو أنه لم يتغير. حين يتصرف كما لو أن السلطة لم تترك فيه أثرا، وكأن التجربة كانت مجرد موقع، لا تحولا.

أنا لا أشكك في حقهما في الكلام.. لكنني أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يفعله السياسي ليس أن يتناقض، بل أن يعيد تقديم نفسه خارج سياقها، وأن يطلب منا أن نستمع إليه كما لو أن الزمن لم يمرّ به.

لذلك، حين أستمع إليهما اليوم، لا أسمع فقط موقفين سياسيين. أسمع محاولة دقيقة لإعادة التفاوض مع الذاكرة..ليس لتغيير ما حدث.. بل لتغيير موقعهما منه..

قال الله تعالى في كتابه الكريم ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾..صدق الله العظيم..

ميمونة الحاج داهي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *