في الوقت الذي طُويت فيه، نسبياً، الصفحة القضائية المرتبطة بمغني الراب “بوز فلو”، والتي انتهت بحكم مخفف أعاد النقاش حول حرية التعبير، تتجه الأنظار إلى ما هو أبعد من ذلك: الخلفيات السياسية لمحاولات استقطاب هذا النوع من الأسماء، ودلالاتها داخل المشهد الحزبي المغربي.
تفيد معطيات متقاطعة بأن حزب التقدم والاشتراكية فتح قنوات تواصل مع فنانين من مشهد الراب، من بينهم “بوز فلو”، في أفق توظيف حضورهم الجماهيري خلال الاستحقاقات المقبلة، وربما منحهم تزكيات انتخابية.
هذا التوجه لا يمكن قراءته بمعزل عن تحولات أعمق، حيث باتت بعض الأحزاب تميل إلى استقطاب شخصيات تمتلك قاعدة جماهيرية جاهزة، بدل الاستثمار طويل الأمد في تكوين نخب سياسية قادرة على بناء مشروع وإقناع الناخبين.
غير أن هذا الخيار، وإن بدا مغرياً على المدى القصير، يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على إنتاج فعل سياسي مستدام.
بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية، فإن هذه التحركات تُعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً. هل يعيش الحزب أزمة في إنتاج كفاءات سياسية قادرة على التأطير وكسب ثقة فئات واسعة من المجتمع؟.
تاريخياً، ارتبط الحزب بصورة تنظيم يمتلك نخبة فكرية وسياسية وازنة، غير أن حضوره الجماهيري ظل محدوداً نسبياً، خصوصاً لدى فئة الشباب.
ومع التحولات التي يعرفها الفضاء العمومي، خاصة مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التأثير لا يُقاس فقط بالخطاب السياسي، بل أيضاً بالقدرة على الوصول والتفاعل.
في هذا السياق، يبدو أن الحزب يحاول تعويض هذا النقص عبر استقطاب وجوه ذات شعبية، وهو ما يعكس، في نظر منتقدين، نوعاً من “الهروب إلى الأمام” بدل معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بضعف التأطير وتجديد النخب.
ليست هذه أول محاولة من هذا النوع. فقد سبق للحزب أن اقترب من الناشطة الفيسبوكية مايسة سلامة الناجي، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً آنذاك، قبل أن تنتهي دون نتائج تُذكر.
تلك التجربة كشفت حدود الرهان على شخصيات مؤثرة رقمياً، لكنها غير متجذرة تنظيمياً أو مؤطرة سياسياً.
كما أظهرت أن الانتقال من التأثير الرقمي إلى الفعل السياسي ليس عملية تلقائية، بل يتطلب انسجاماً فكرياً واستعداداً للالتزام بقواعد العمل الحزبي.
اليوم، ومع تكرار نفس المقاربة، يطرح السؤال حول مدى استيعاب الحزب لدروس التجارب السابقة، أو ما إذا كان يعيد إنتاج نفس الاختيارات تحت ضغط الاستحقاقات الانتخابية.
تكمن الإشكالية الأساسية في الخلط بين “الشعبية” و”المشروعية السياسية”. فالفنان أو المؤثر قد يمتلك قدرة كبيرة على جذب الانتباه والتأثير في الرأي العام، لكنه لا يملك بالضرورة أدوات الاشتغال السياسي، من فهم للتشريع إلى القدرة على التفاوض وصياغة السياسات العمومية.
وفي غياب تأطير حقيقي، قد يتحول هذا الرهان إلى عبء، سواء على الحزب أو على الشخصيات المستقطبة، التي تجد نفسها في بيئة مختلفة تماماً عن فضاء التعبير الفني أو الرقمي.
ما يجري اليوم لا يخص حزباً بعينه، بل يعكس تحولاً أوسع في قواعد اللعبة السياسية، حيث أصبحت الأحزاب مطالبة بالتكيف مع واقع جديد تهيمن عليه السرعة والرمزية والتأثير الرقمي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في استقطاب الأسماء اللامعة، بل في القدرة على تحويل هذا الحضور إلى مشروع سياسي متماسك، قادر على الصمود خارج منطق الحملات الانتخابية.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو محاولة استقطاب “بوز فلو” امتداداً لمسار يعكس، في العمق، أزمة مزدوجة: أزمة في إنتاج نخب سياسية جديدة قادرة على التأثير، وأزمة في اختيار الأدوات المناسبة لمخاطبة المجتمع.
وبينما قد توفر “النجومية” مكاسب ظرفية، فإن بناء الثقة السياسية يظل رهيناً بالعمل الطويل النفس، وهو ما سيحدد في النهاية قدرة أي حزب، بما في ذلك حزب التقدم والاشتراكية، على الاستمرار بثبات في مشهد سياسي سريع التحول.
جلال حسناوي
