مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود سؤال وحدة اليسار إلى الواجهة، لا باعتباره خيارًا استراتيجيًا محسومًا، بل كورقة تفاوضية تتجدد حسب موازين اللحظة. المشهد الحالي لا يخرج عن هذه القاعدة، بل يؤكدها.

تاريخيًا، شكّلت تجربة الكتلة الوطنية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لحظة ذروة في التنسيق بين مكونات اليسار الوطني، قبل أن تتوج بحكومة التناوب سنة 1998. غير أن تلك اللحظة كانت نتاج سياق سياسي خاص، داخليًا وخارجيًا، يصعب استنساخه اليوم. ومنذ ذلك التاريخ، ظل خطاب “وحدة اليسار” حاضرًا أكثر كشعار منه كخيار تنظيمي قابل للتحقق.

مبادرة «الكتاب»: عرض وحدة بشروط

إعادة فتح حزب التقدم والاشتراكية لملف “الترشيح المشترك” في أفق انتخابات 2026 لا يمكن قراءته بمعزل عن تموقع الحزب داخل الخريطة السياسية الراهنة. فالحزب الذي يبحث عن استعادة موقعه في المعادلة، يدرك أن خوض الانتخابات منفردًا في ظل تشتت القاعدة اليسارية يحدّ من سقف نتائجه.

غير أن الدعوة إلى الوحدة جاءت بصيغة مزدوجة الدلالة: “بوحدة اليسار أو بدونها”. وهي عبارة تكشف أن المبادرة أقرب إلى اختبار نيات بقية المكونات منها إلى مشروع اندماجي فعلي. فالحزب يعلن الانفتاح، لكنه في الآن نفسه يهيئ الرأي العام لاحتمال الفشل.

بمعنى آخر، المبادرة تبدو وفق قراءة تحليلة لجريدة le12.ma، محاولة لاحتلال موقع أخلاقي وسياسي: من يدعو إلى الوحدة، حتى إن لم تتحقق.

ردّ «الوردة»: وحدة مشروطة بسقف سياسي

بلاغ الاتحاد الاشتراكي حمل نبرة هجومية لافتة، خاصة في توصيفه لبعض الجهات بـ«وجوه الانحطاط الأخلاقي» و«زعامات الإحباط الديمقراطي». هذا التصعيد اللغوي لا يمكن فصله عن سياق إعادة ترتيب المجال اليساري.

فالبلاغ، رغم حدّته، ينتهي بدعوة إلى العمل “يدا في يد”. وهو تناقض ظاهري يعكس في العمق تصورًا محددًا للوحدة: وحدة تحت سقف الاتحاد، أو على الأقل وفق شروطه السياسية والتنظيمية.

بعبارة أدق، الاتحاد لا يرفض مبدأ التنسيق، لكنه يرفض أن يتم ذلك على قاعدة الندية الكاملة أو إعادة توزيع الزعامة الرمزية داخل اليسار. لذلك جاء الخطاب مزدوجًا: هجوم على من يعتبرهم خصومًا داخل المجال نفسه، ثم دعوة مفتوحة لمن يقبل بقواعد الاشتغال التي يحددها الحزب.

الفيدرالية: الحلقة الأضعف

أما فيدرالية اليسار الديمقراطي، فقد خرجت من تجربة 2021 أكثر هشاشة بعد انسحاب الحزب الاشتراكي الموحد. وبذلك فقدت أهم عنصر كان يمنحها وزنًا تفاوضيًا داخل المعادلة. صمتها النسبي تجاه مبادرة الترشيح المشترك يعكس حرجًا سياسيًا: فهي مطالبة بالحفاظ على استقلاليتها، لكنها تدرك في الآن نفسه صعوبة المنافسة المنفردة.

وحدة ممكنة أم تحالف تقني؟

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن أقصى ما يمكن بلوغه هو تنسيق تقني محدود (تحالفات موضعية أو مرشحون مشتركـون في دوائر معينة)، لا مشروع وحدة استراتيجية شاملة.

فالخطاب المتبادل يكشف أن كل طرف يسعى أولًا إلى تثبيت موقعه داخل المجال اليساري قبل التفاوض حول تقاسمه.

ما يجري اليوم ليس مسارًا وحدويًا بالمعنى التقليدي، بل إعادة رسم لحدود المجال اليساري قبل معركة انتخابية جديدة. دعوات “العمل يدًا في يد” قد تتحقق جزئيًا، لكن بشروط دقيقة وموازين قوة واضحة.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل يسعى اليسار إلى توحيد صفوفه لمواجهة خصومه السياسيين، أم أن معركته الأساسية ما زالت تدور داخل بيته الداخلي؟.

الجواب عن هذا السؤال سيحدد شكل حضوره في انتخابات 2026: كتجربة متماسكة، أم كفسيفساء انتخابية تتقاسم الخسارة أكثر مما تتقاسم المكاسب.

*أزمة اليسار في 5 أعطاب. ..معضلة بنيوية لا ظرفية

أزمة وحدة اليسار ليست ظرفية ولا مرتبطة فقط بحسابات انتخابات 2026. إنها أزمة بنيوية تتعلق بـ: 1-تضارب المرجعيات التنظيمية.
2-صراع الزعامات.
3- غياب مشروع سياسي جامع يتجاوز الخطاب الأخلاقي.
4- اختلاف تقدير العلاقة مع الدولة ومع باقي الفاعلين.
5- لتحولات الاجتماعية والانتخابية خلال العقد الأخير.

*تقرير إخباري من إعداد -جواد مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *