يبدو أن المشهد السياسي المغربي قرر أخيراً التخلي عن مساحيق التجميل، ليفاجئنا إدريس الأزمي المشهور بـ”مول البيليكي” بـ “اعتراف” سيُكتب بماء التردد في سجلات حزب “المصباح”.

أن يقول قيادي بحجم الأزمي إن الحزب لا يملك تصوراً واضحاً لتصريف مواقفه (خاصة في ملف التطبيع) إذا تصدر المشهد، فهذا ليس مجرد زلة لسان، بل هو “سكتة دماغية” تكتيكية.

البعض اعتبر كلام “مول البيليكي” شجاعة نقدية، لكن الحقيقة أنها شجاعة المتورط.

إنها اللحظة التي يكتشف فيها السائق أنه يقود حافلة مليئة بالركاب (الناخبين) نحو منحدر، ثم يلتفت إليهم بابتسامة باهتة ليقول: “بصراحة، لا أعرف كيف تعمل الفرامل في المنعطفات الكبرى”.

هذا ليس ارتباكاً عادياً، إنه انفصام سياسي كامل الأركان، فالحزب يقتات إيديولوجياً على رفض التطبيع في “الوقفات”، لكنه يوقع عليه بـ “قلم الدولة” في المكاتب المكيفة، ثم يأتي اليوم ليقول: “لم نكن نعرف كيف نوفق بينهما”.

إن المشكلة الجوهرية هنا لا تكمن في التطبيع كقرار سيادي أو اختيار استراتيجي للدولة، بل في منطق “البياع والشاري” الذي يمارسه الحزب حين يبيع بضاعة المبادئ للجمهور وهو يعلم يقيناً أن مخازنه فارغة من أي بديل عملي.

فبينما يصر الخطاب الرسمي للحزب على أنه حامي الثوابت وضد الاختراق الصهيوني، يكشف الواقع أنه مجرد ميسر لمسارات الدولة حتى لو دهست تلك المسارات خطاباته القديمة.

هذه الفجوة ليست “اجتهاداً”، بل هي عجز عن إنتاج فكر سياسي يستطيع الصمود أمام ميزان القوى.. إنهم يريدون “الأجر” من القواعد، و”الغنائم” من السلطة، دون دفع ضريبة الموقف.

إذا كنت تملك “البيليكي” في الكلام، وتفتقر للوضوح في “التدبير”، فما هي القيمة المضافة من تصدر المشهد، الانتخابات ليست “نزهة” لاختبار القدرة على الصمود النفسي أمام الإحراج، بل هي تعاقد.

أن تدخل للانتخابات وأنت تعترف مسبقاً بأنك “تائه” بين هويتك الإيديولوجية وبين “إكراهات الدولة”، فهذا يعني أنك لا تبحث عن الإصلاح، بل تبحث عن “توطين” الذات داخل أجهزة الدولة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الظهور بمظهر “التلميذ النجيب” الذي نسي محفظته في البيت.

“السياسة كمسؤولية” تتطلب رجال دولة يعرفون متى يقولون “نعم” ومتى يقولون “لا”، أما السياسة كـ “اعترافات متأخرة”، فهي مجرد محاولة لغسل اليدين بماء التبريرات الباردة بعدما جفت الصحف ورفعت الأقلام.

اعتراف الأزمي هو إعلان رسمي عن تحول الحزب من “قوة اقتراحية إيديولوجية” إلى “ملحق إداري” ينتظر التعليمات، مع الاحتفاظ بحق “التحلق” و”التباكي” في الصالونات المغلقة.

إدريس لكبيش/ Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *