ما جرى في المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة، لم يكن مجرد انتخاب رئيس جديد، ولا مناسبة تنظيمية عابرة.

كان عملية سياسية محسوبة، أُنجزت بهدوء، وبأقل ضجيج ممكن، استعداداً لانتخابات 2026… وما بعدها.

في الظاهر، منصة، شعارات، تصفيق، وكلمة وداع.

في العمق، إعادة ضبط ساعة الحزب المرحلة المقبلة.

تم تزكية محمد شوكي رئيساً للحزب، كمرشح وحيد، وبإجماع المؤتمرين.

لا منافسة، لا صراعات، لا ارتباك.

شوكي ليس اسماً طارئاً، بل هو رئيس فريق سابق، خبير مالية، رجل أرقام واستثمار.

الرسالة واضحة إذن.

الحزب اختار “رجل تدبير”… لا “نجم شعبوية”.

لحظة مؤثرة خلال كلمة عزيز أخنوش، حين قال : “لا للزعامات الخالدة… أسلم المشعل وأنا مطمئن”.

لم يكن خطاب وداع فقط، بل إعلان انتقال منظم..

لا هروب.

لا انكسار.

لا أزمة.

تصفيق الآلاف كان اعترافاً بنهاية مرحلة كاملة.

بعيداً عن الأضواء، صوّت المؤتمر على تمديد ولاية الهياكل الجهوية والإقليمية لما بعد 2026.

في معنى ذلك، ظاهرياً يعني استقرار.واقعياً يعني تجميد كل الصراعات الداخلية.

الغاية، لا معارك تزكيات، لا تصفية حسابات، لا وقت للفتنة التنظيمية.

الماكينة يجب أن تبقى مشتعلة.

لماذا شوكي؟

في الكواليس، الجواب بسيط:

الحزب أراد: رجل يفهم الاستثمار، يتقن لغة المؤسسات، لا يربك الدولة ولا الأسواق..

شوكي هو “نسخة محدثة” من نموذج أخنوش…

بنفس العقلية، دون حمولة الصراعات السابقة.

انه اختيار آمن.

في الطريق نحو خلافة أخنوش، رغم خطاب الديمقراطية، تم “غلق القوس” مبكراً.

القيادة قررت: لا مفاجآت. لا منافسة. لا مقامرة.

الاستقرار أولاً.

أخنوش”كاسحة ألغام”

خلال سنوات صعبة (غلاء، جفاف، أزمات)، تحمّل أخنوش كل الضربات.

صار هدفاً مباشراً للانتقادات.

الخروج الآن ليس هروباً…

بل إبطال ذكي لقنبلة خصوم أخنوش خلال انتخابات 2026.

غادر أخنوش، وبقيت “آلة الحزب” تعمل.

ملفات الدولة لا تُدار بالخطابة

نحن أمام ملفات كبرى: الصحراء، مونديال 2030، الاستثمارات، الطاقة.

هذه لا تُسلَّم لأحزاب: منقسمة، شعبوية، مترددة، بل تحتاج “أيادي آمنة”.

والأحرار يقدم نفسه كذلك.

يحدث هذا في ساحة سياسية شبه فارغة

PAM: مخاض داخلي

الاستقلال: شريك أكثر من قائد

المعارضة: مشتتة

النتيجة؟ الأحرار ينافس نفسه أكثر مما ينافس غيره.

“سلمني نظيف… أسلمك نظيف”

المعادلة واضحة:

أخنوش سلّم: حزب منضبط، ماكينة قوية، شبكة أعيان، تمويل مريح

شوكي تسلّم: صورة نظيفة، صفحة بيضاء

ملف جاهز، الهدف: 2026.

من “حزب الكلام” إلى “حزب الأرقام”

تجربة البيجيدي ما زالت حاضرة لكن بمعادلة :  خطاب قوي أمام إنجاز ضعيف.

تقارير رسمية كشفت، مشاريع ملكية وُقعت ولم تُنجز على عهد حكومتي البيجيدي .

بالنسبة للدولة: هذا خط أحمر.

الشعارات لا تبني طرقاً.

لذلك الأحرار يراهن على: الأرقام، المشاريع، النتائج.

قد لا يكون حزباً شعبوياً، لكنه حزب “النتيجة”.

في زمن المشاريع الكبرى، نحتاج مديري مشاريع… لا خطباء.

الخلاصة: في الاحرار جرى، تغيير واجهة… لا تغيير اتجاه

ما وقع في الجديدة ليس نهاية حقبة.

إنه “تحديث نظام” سياسي:تغيير الواجهة، الحفاظ على العقل، تأمين المستقبل

الأحرار لم يغادر السلطة…بل أعاد ترتيبها.

الوجه تغيّر،لكن المسار مستمر.

والرسالة واضحة: نحن جاهزون لمرحلة 2026–2030 بلا ضجيج… بلا مغامرة… وبأقصى براغماتية.

*محمد إبراهيمي -كاتب صحفي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *