أعلن المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والاتصال، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت المجلس الحكومي (19 فبراير 2026)، عن تفعيل بند قانوني يمنح الصحفيين “إمكانيات جديدة” تتعلق بـ”الحق المعنوي” المرتبط بالمقال الذي يكتبونه، مع تخصيص غلاف مالي يقارب ثلاثة ملايير سنتيم، على أن تستفيد المقاولات الإعلامية المالكة لحق المؤلف من نسبة 30 في المائة من هذا المبلغ.
الإعلان مرشح لينال اهتمامًا واسعًا وسط الصحفيين والمهنيين، لكنه يطرح في المقابل أسئلة قانونية جوهرية حول طبيعة هذا “الحق المعنوي”، وكيف يمكن أن يرتبط بغلاف مالي، وما هو الأساس القانوني لتوزيع النسب بين الصحفيين والمقاولات.
الحق المعنوي؟
ينظم القانون المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (القانون 2.00 كما تم تعديله)، حقوق المبدعين (أدبياً وفنياً، فردياً أو جماعياً) ويحميها، بما في ذلك الحقوق المادية والمعنوية، ويشرف على تطبيقها المكتب المغربي لحقوق المؤلف(BMDA) .
والحق المعنوي في إطار هذا القانون هو حق لصيق بشخص المؤلف، ويشمل أساسًا: حق نسبة المصنف إلى صاحبه (ذكر الإسم)، حق حماية المصنف من التحريف أو التشويه، حق نشر المصنف لأول مرة، وحق سحبه في حالات معينة.
وهذا الحق يتميز بخصائص أساسية، فهو غير قابل للتفويت، وغير قابل للتقادم، وملازم للمؤلف مدى الحياة وبعد الوفاة.
بمعنى آخر، الحق المعنوي لا يُنشأ بقرار إداري، ولا يحتاج إلى تفعيل مالي، لأنه قائم بقوة القانون منذ لحظة الإبداع.
وهنا يبرز أول سؤال: هل المقصود فعلًا في تصريح الوزير هو “الحق المعنوي” بمفهومه القانوني الدقيق، أم أن الحديث يتعلق بالحقوق المالية المرتبطة باستغلال المقالات؟
الحق المالي؟
إلى جانب الحق المعنوي، يقر القانون المغربي بما يُعرف بالحق المالي أو “الحق في الاستغلال”، وهو الذي يخول لصاحب الحق في الترخيص بإعادة النشر، والحق في النسخ، والحق في التوزيع، والحق في الاستغلال الرقمي.
هذا الحق يمكن نقله أو تفويته، وغالبًا ما يكون موضوع عقود بين المؤلف (الصحفي) والمشغل (المقاولة الإعلامية).
في الحالة الصحفية، يكون المقال في الغالب منجزًا في إطار علاقة شغل، ما يجعل المقاولة الإعلامية تملك حق الاستغلال المالي، بينما يحتفظ الصحفي بحقه المعنوي (المادة 35 من القانون (2.00)) .
لذلك، عندما يتم الإعلان عن غلاف مالي بقيمة ثلاثة ملايير سنتيم، فمن المرجح أن الأمر يتعلق بعائدات استغلال أو إعادة توزيع حقوق مالية، وليس بالحق المعنوي في حد ذاته.
تخصيص 30% للمقاولات الإعلامية؟
المادة 35 من القانون (2.00) تناولت الأعمال التي تتم في إطار عقد شغل، كما هو الشأن داخل المقاولة الإعلامية، وأكدت أنه “في حالة مصنف أنتج من قبل مؤلف لحساب شخص ذاتي أو معنوي يسمى فيما بعد ” المشغل” في نطاق عقد عمل وداخل تشغيله، للخصم إلا إذا كانت هناك حول هذا المصنف مقتضيات مخالفة ينص عليها العقد، يعتبر المؤلف المالك الأول للحقوق المعنوية والمادية ولكن الحقوق المادية حول هذا المصنف تعتبر محولة إلى المشغل في الحدود التي تبررها الأنشطة المعتادة للمشغل أثناء إبداع المصنف”.
وتنصيص هذه المادة على أن ” الحقوق المادية حول هذا المصنف تعتبر محولة إلى المشغل في الحدود التي تبررها الأنشطة المعتادة للمشغل أثناء إبداع المصنف ” يطرح عدة إشكالات وسط المقاولات الإعلامية المغربية، أبرزها إغفال عقود الشغل لمسألة الحقوق المادية للمؤلفات وتحديد حصة المقاولة الإعلامية فيها.
وبالعودة إلى تصريح الوزير، نجده يؤكد أن المقاولات المالكة لحق المؤلف تستفيد من 30% من الغلاف المالي، مما يثير سؤالين جوهريين:
الأول: هل 70% المتبقية مخصص لتعويض الصحفيين عن استغلال ثانوي لمقالاتهم (رقميًا أو عبر منصات)، أم أنه يتعلق بإعادة توزيع عائدات جماعية عبر المكتب المغربي لحقوق المؤلف؟
إذا كان الأمر يتعلق بحقوق استغلال، فإن منح نسبة للمقاولات يمكن تبريره قانونيًا باعتبارها مالكة لحق الاستغلال المالي في إطار عقد الشغل.
لكن إذا كان الأمر يُقدَّم على أنه مرتبط بالحق المعنوي، فإن استعمال المصطلح يصبح غير دقيق، لأن الحق المعنوي لا يُقوَّم بنسبة مئوية ولا يُقتسم.
الثاني: هل يفهم من كلام الوزير المتعلق بنسبة 30 في المائة المخصصة للمقاولات، تحديد معيار عام لتقسيم الحق المادي بين الصحفيين ومقاولاتهم الإعلامية؟
القانون (2.00) لا يفسح المجال لفرض “محاصصة” بين الطرفين بقرار إداري، فالمادة 35 المشار إليها سابقا، واضحة على أن تلك “المحاصصة”، إن صح هذا التعبير، تكون في ” الحدود التي تبررها الأنشطة المعتادة للمشغل أثناء إبداع المصنف”. فكيف يمكن معيرة تبرير تلك “الأنشطة المعتادة للمشغل”؟
من المفيد جدا أن يكون هناك معيار مرجعي عام مثل 30 في المائة للمقاولة الإعلامية و70 في المائة للصحفي، كما جائت في تصريح الوزير، لكن ينبغي أن ترقى إلى مستوى أعلى من التصريح السياسي ومن القرار الإداري، حتى تكون مرجعا عاما يخضع له الجميع.
بالنسبة لدعوة الوزير للصحفيين والمقاولات إلى التسجيل في المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة (BMDA) فهي خطوة عملية، لكنها تحتاج إلى توضيح مهم، هو أن حقوق المؤلف في المغرب لا تتوقف على التسجيل، وأن الحماية قائمة بمجرد الإبداع.
غير أن للتسجيل إيجابيات، فهو يسهل إثبات الملكية، وتحصيل الحقوق الجماعية، وتوزيع العائدات. لذلك لابد من التوضيح أن التسجيل إجراء تنظيمي لتحصيل العائدات، وليس شرطًا لاكتساب الحق.
أسئلة تنتظر توضيحًا
حتى تكون مبادرة وزارة الشباب والثقافة والتواصل واضحة للرأي العام والمهنيين، من الضروري توضيح:
• طبيعة العائدات: هل هي مرتبطة بالاستغلال الرقمي؟ بالمنصات الدولية؟ بإعادة النشر؟
• آلية التوزيع: هل ستُحسب وفق عدد المقالات؟ نسبة القراءة؟ سنوات العمل؟
• المحاصصة بين الصحفي والمقاولة الإعلامية، هل ستنظم بقانون؟
• نطاق الاستفادة: هل تشمل الصحفيين المستقلين أم فقط الأجراء؟
• الأساس القانوني: هل هناك مرسوم تطبيقي جديد أم تفعيل لنص سابق؟
بدون هذه التوضيحات، يبقى الإعلان في مستوى سياسي عام، أكثر منه بيانًا قانونيًا تفصيليًا.
ختاما، من حيث المبدأ، الاعتراف بحقوق الصحفيين في عائدات استغلال أعمالهم خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز العدالة المهنية داخل القطاع.
لكن من حيث الدقة القانونية، يجب التمييز الصارم بين أمرين أساسيين، الأول أن الحق المعنوي، هو حق شخصي دائم لا يُقوَّم ماليًا. والثاني، أن الحقوق المالية المرتبطة بالاستغلال، هي التي يمكن أن تكون موضوع توزيع وعائدات.
إن الوضوح في المفاهيم ليس ترفًا قانونيًا، بل شرط أساسي لبناء ثقة مهنية حقيقية، وضمان ألا يتحول النقاش إلى التباس بين الحقوق الشخصية والمصالح الاقتصادية.
* حسن بويخف-كاتب صحفي
