في يونيو من العام 2016، أي قبل عشر سنوات من اليوم، تلقت كاتبة الرأي، المحجبة المغربية وقتها “مايسة”، سلامة الناجي دعوة للمشاركة في برنامج حواري شهير هو جعفر توك على قناة دويتشه فيله الألمانية، لمناقشة ملحدين ومحاولة إقناعهم بالإسلام.
دخلت مايسة المناظرة بثقة، لكنها خرجت منها بارتباك. إذ بعد عام على هذه المشاركة ارتدت عن دين الإسلام، وأعلنت إلحادها!!.
خلال إحدى تدخلاتها، اعتبرت مايسة أن ربط اليوتبر شريف جابر الإسلام بالعنف يعتبر فهم جاهل بالدين الإسلامي، فيما اعتبره هو حجة ضعيفة.
والحقيقة أنها ظهرت ضعيفة في المحاججة والدفاع عن قناعاتها وبالتالي فرض ما تؤمن به على النقاش في البرنامج .
لذلك، فالمؤكد، أنه لم يكن السبب مجرد “خسارة” في سجال كلامي، بل اهتزاز داخلي بدأ يتسلل إليها.
ومع مرور الوقت، تحوّل الشك إلى قناعة جديدة، فاختارت مغادرة الدين الذي نشأت عليه.
غير أن القصة، كما تُروى، لا تقف عند هذا الحد. فبعد سنوات، يمكن تخيّل عودتها إلى البرنامج نفسه، ولكن هذه المرة للدفاع عن الإلحاد.
يُستضاف في مواجهتها شيخ متمكن، فتجد نفسها أمام حجج أقوى مما اعتادت عليه، فتتغير قناعاتها من جديد. ثم تعود لاحقاً، في مواجهة مع بوذيين، فتتبدل رؤيتها مرة أخرى.
وبعدها مع كاهن مسيحي، ثم مع حاخام يهودي… وفي كل مرة، تتغير الهوية تبعاً لمن “غلب” في المناظرة.
هذه السردية الساخرة لا تهدف إلى السخرية من الأديان بقدر ما تكشف هشاشة الإيمان أو اللاإيمان حين يُختزل في نتيجة مناظرة.
فالقناعة التي تتبدل مع كل مواجهة إعلامية ليست قناعة راسخة، بل رأي عابر يتأثر ببلاغة المتحدث وقوة حضوره أكثر مما يتأثر ببحث عميق أو تجربة روحية شخصية.
الإيمان، أيّاً كان موضوعه، ليس مباراة تُحسم بالنقاط، ولا هو بطولة خطابية تُمنح فيها الكؤوس لمن يتقن فن الإقناع. المناظرات قد تفتح أبواب التساؤل، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني يقيناً مستقراً. فاليقين عملية معقدة، تتداخل فيها التربية، والتجربة، والتأمل، والقراءة، والصراع الداخلي.
إن تحويل القناعات الوجودية إلى مادة للفرجة قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن الحقيقة هي ببساطة ما ينتصر في الاستوديو.
لكن التاريخ يعلمنا أن أكثر الأسئلة عمقاً لا تُحسم في ساعة بث مباشر، ولا تُختزل في تصفيق جمهور.
قصة مايسة، بهذا المعنى، هي مرآة لواقع أوسع: حين يصبح البحث عن الحقيقة رهيناً بلحظة انفعال، أو بأسلوب خطابي مؤثر، فإن النتيجة الطبيعية هي التنقل الدائم بين الضفاف.
أما من يريد أن يؤسس موقفاً فكرياً متماسكاً، فعليه أن يغادر منطق “من غلب من” إلى سؤال أعمق: ماذا أؤمن؟ ولماذا أؤمن؟ وعلى أي أساس أبني هذا الإيمان؟
في النهاية، ليست المشكلة في أن يغيّر الإنسان قناعاته؛ فالتطور الفكري حق مشروع.
لكن الإشكال حين تصبح القناعات مجرد صدى لصوت أعلى في مناظرة، لا ثمرة رحلة داخلية واعية.
هنا فقط تتحول الحرية الفكرية إلى تيهٍ لا ينتهي، وتغدو الهوية محطة عابرة في برنامج تلفزيوني، لا اختياراً نابعاً من اقتناع راسخ.
لكن ما وجب التنبيه إليه، أن تجربة مايسة والحالة هاته لا يجب أن تكون ملهمة بقدر ما يجب أن تصنف في خانة « مهملة».
بمعنى آخر، مايسة التي دخلت برنامج «جعفر توك » مسلمة وخرجت منه ملحدة، لا يمكن الثقة في ثبات عقيدتها.
كما نرى في جريدة le12.ma، أنه لا يمكن المجازفة، بمنحها فرصة الدفاع عن قضايا مصيرية للمغاربة، من داخل المؤسسات، خاصة وأنها تنوي الترشح في إنتخابات 2026 لعضوية البرلمان، لا بل وتطمح إلى تولي منصب وزيرة الثقافة في حكومة عام 2030.
أليس كذلك، الحاج نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي سبق أن قدم عرضاً انتخابيا مغرياً لادخال مايسة ماشي للإسلام الذي ارتدت عنه، ولكن إلى حزب «الكتاب» وأي «كتاب»، « كتاب الرفاق».
في الأخير، يبقى الجواب على سؤال ما قصة آ الحاج نبيل، هل كنت وحزبك تعلمان بكون مايسة ملحدة وخرجت عن ملة الإسلام، وأنت تقنعه بإعتناق عضوية حزب “الكتاب”؟ أم خلافه؟.
ننتظر والرأي العام وربما حتى عضوات وأعضاء في حزبك وحلفاء لك منهم عبد الاله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، جوابا منك على سؤال: ما القصة آ الحاج نبيل؟.
*جلال حسناوي
