مـذكرات ترصد تجربة حياة البروفيسور عبّد المجيد بن الماحي، أو ( بلماحي )، وقد سماها: “مـســار منـاضـل- تجـربة حيـاة ” « Parcours d’un Combattant – Experience d’une Vie ».
كتبها باللغة الفرنسية، وقد صدرت عن دار النشر المعرفة- الرباط 2013.
إذا تركنا في هذه المذكرات الجانب الطبي العلمي لذوي الاختصاص فإن حياة الطبيب عبد المجيد بن الماحي تتميز بجانب آخر وهو السياسي، كونه كان عضوا في الحكومة المغربية آنذاك..
وهذا الجانب السياسي يتمثل في معايشته للأحداث التي شهدها المغرب خلال الانقلابَيْـن الفاشلَيْـن: الصخيرات 1971. والطائرة 1972.
الطبيب عبد المجيد بن الماحي أو (بلماحي) شاهد هذه الأحداث بأم عينيه، وكتب عنها، فاحتلت في مذكراته 17 صفحة (من40 إلى 56).
أنقل هنا الجزء الخاص بالطائرة، لاحتوائه على مشاهدات رصدها الطبيب.
وأصدق المذكرات تلك التي كتبها الأطباء، يقول الطبيب عبدالمجيد بن الماحي أو (بلماحي ) :
” في يوم من أيام شهر يناير 1972، اتصل بي شخصان بشكل غير متوقع حوالي منتصف الليل، وهما اثنان من أصدقائي، واحد منهما صاحب “بيترو العربة” يرافقه القائد العسكري لمنطقة فاس.
هذا الأخير والذي كان يرتدي جلبابا، سلمني رسالـة لتبليغها إلى السلطات العليا المغربية.
حيث قال لي، بصفة محددة، إنه يتم التحضير لانقلاب يتزعمه الجنرال أوفقير؟.
وبطبيعة الحال، وافقت على حمل هذه الرسالة، وأنا في وضعية نفسية لا يحسد عليها تتعلق أساسا بالضمير والمسؤولية.
وكان طبيعيا أن أوافق على استلام هذه الرسالة، والتي كانت تشكل بالنسبة لي مسألة بالغة الأهمية، لأنها ستكون خيانة كبرى إذا لم تُـسلم هذه الرسالة إلى من يهمهم الأمر، خاصة أنني كنت عضوا في الحكومة وأنني أديت القسم بين أيدي العاهل الكريم.
الشيء الذي دفعني بكل صدق وأمانة، للإتصال بالمدير العام للديوان الملكي، السيد أحمد عصمان حوالي الثالثة صباحاً والذي استقبلني بكل حفاوة.
وعلى إثر هذه المقابلة سلمته الرسالة المذكورة وتقدم لي بالقول إنه في الغالب ما يتلقى رسالة مجهولة مماثلة والتي يكتشف بعد قراءتها أنها لا أقل ولا أكثر من إنذارات كاذبة.
وبعد خطاب العرش يوم 3 مارس 1972، أُعلنت حكومة جديدة وعلى رأسها كريم العمراني للمرة الثانية كما أسندت للجنرال أوفقير وزارة الدفاع الوطني ورئاسة الأركان الحربية، وهما وظيفتان أسندتا بصفة استثنائية إلى الشخص نفسه ولكنهما مهمتان لاتتلاءمان.
من بين المغادرين الأولين للحكومة نذكر وزير الصحة العمومية الذي حل محله الدكتور التوهامي الذي كنت قد عينته في السابق رئيسا للمحافظة الطبية بمدينة الدار البيضاء خلفا للدكتور بركاش.
وكان هذا الوزير الجديد ناكرا للجميل ولقد أثبتت الأحداث اللاحقة أنه كان مخطئا للغاية في تصرفاته معي.
وقبل مغادرتي مهام الوزارة، استقبلني العاهل الكريم، وكانت هذه المقابلة ودية وصادقة جدا.
فتوجه لي بالسؤال التالي: ماذا يحدث مع الأطباء، بن الماحي؟.
فأجبته بقولي: “صاحب الجلالة، لدي ملفات هامة لبعض الذين تآمروا عليَ وتوجهوا إليَ باللوم”.
ثم قال لي: “ستخبرني على جميع هذه المعطيات، وأقترح عليك التفكير، لأنني أود أن تكون من بين أفراد الطاقم الطبي بالمصحة التابعة للقصر الملكي”.
وبعد ذلك استلمت المهام كطبيب جراح بالمصحة التابعة للقصر الملكي مع الدكتور Banjai الذي كان يشغل منصب الطبيب الخاص لجلالة الملك، وهي الوظيفة التي عُـين بها منذ 11 يوليو 1971.
وبمناسبة الاحتفال السنوي للقوات المسلحة الملكية، التقى بي الجنرال أوفقير الذي توجه لي بالكلمات الآتية: “كيف حالك يا صديقي؟”. أجبته حالا: ” جيـد جدا، جنرال “.
في نفـس الوقت، ارسلت إلى مدينة باريس، لألتحق بمصحة أرجونتاي، التي كان يرأسها البروفسور الأستاذ كارني، وهو من الجراحين الكبار في تلك الفترة، وكان مسؤولا عن جلب جميع كبار المختصين من المستشفيات الباريسية إلى مدينة الرباط كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
وكانت الإقامة جيدة ومفيدة، كنت أتوجه يوميا إلى المصحة ابتداء من الساعة الثامنة، للقيام بالعمليات الجراحية على المرضى طيلة الوقت المطلوب.
رجعت إلى مدينة الرباط لحضور الاحتفالات السنوية بمناسبة عيد الشباب يوم عاشر يوليوز 1972، ثم عدت إلى مدينة باريس لمواصلة أعمالي بالمصحة.
وبعد أسبوع من مكوثي هناك، اتصل بي هاتفيًا الدكتور بنجاي ليخبرني بأنه سأكون ضمن الطاقم الطبي الذي سيرافق صاحب الجلالة إلى مدينة بيتز بالديار الفرنسية، وذلك ابتداء من 20 يوليوز من نفس السنة.
حينذاك عدت على الفور للالتحاق بالوفد الرسمي المرافق لرئيس الدولة الذي كان سيمضي بعض الأسابيع من الراحة في القصر الملكي بمدينة بيتر قرب مطار رواستي، ومكثنا هناك؛ من 20 يوليوز إلى 16 غشت 1972، ثم بدأت الاستعدادات للرجوع إلى المملكة.
توجهنا إلى مطار لوبورجي حوالي العاشرة والنصف صباحا، وأقلعت الطائرة في اتجاه بارسلون بإسبانيا، المدينة التي أخذنا بها الغذاء ونصيب من الراحة.
عند الوصول إلى مطار بارسلون تم استقبال صاحب الجلالة من طرف وزير الشؤون الخارجية الإسباني.
في الساعة الثالثة زوالا أقلعت الطائرة بنا متوجهة نحو الرباط.
خلال مرورنا بالأجواء الإسبانية، كانت أحوال الطقس سيئة نسبيا والغيوم كثيفة للغاية. وحينما دخلت الطائرة إلى الأجواء المغربية، كانت السماء فوق مدينة البوغاز (طنجة) صافية تماماً وزرقاء اللون، حينها فوجئنا بمجيئ ستة طائرات مقاتلة من نوع ( F5 )، متوجهة مباشرة نحو طائرتنا وتوزعت ثلاثة على اليمين وثلاثة على الشمال.
وفي أول رد للسيد دريف، محافظ القصر الملكي الذي قال: “لم يكن هذا سفــراً رسمياً، ولم يكن أمراً مطلوباً”. وزاد قائلا: “ربما يريدون التعبيـر عن فرحتهم برجوع الملك بعد غيابه عدة أسابيع”.
في نفس اللحظة تبين لنا عكس ذلك.
بدأت إحدى الطائرات تطلق نيرانها بكثافة من الجهة اليمنى فوق جناح البـوييـنك. ولم ينجح الطيار في عملياته العدوانية حيث فقد توازنه واضطر للقفز باستعمال المقعد الأوطوماتيكي للنجاة.
أخذ قائد الطائرة للركاب بزمام الأمور، بينما كنا على علو يقدر بحوالي 7000 قدم فوق نواحي مدينة تطوان وتحت نيران الطائرات المقاتلة، زاد القائد في الإرتفاع ليتجنب النيران الآتية من الجهة اليمنى.
في ذلك الحين، فقد الضغط الهوائي داخل الطائرة.
بعض الشضايا أصابت السيد ساسيا والسيد عبد الفتاح فرج، وفارق الحياة على الفور ضابط الشرطة الذي كان جالسا في مؤخرة الطائرة.
تسربت مادة الكيروزين كلياً وتقلصت سرعة الطائرة وبدأت الاستعدادات للهبوط باتجاه المطار العسكري لمدينة سـلا.
ربما كان الهدف هو تحويل اتجاه الطائرة إلى المطار العسكري لمدينة القنيطرة؟.
أما القائد القباج، الذي أصبح في المستقبل مديراً عاماً للطيران العسكري، فإنه تمكن من الهبوط الاضطراري في المطارالعسكري بسلا على جهة واحدة من عجلات الطائرة، بينما كان النظام الالكتروني معطلا بالكامل.
وقد نجحت الطائرة في الهبوط على المدرجات دون وقوع أي انفجار في أجهزتها وذلك رغم تلف المعدات وتعثـر الأنظمة الالكترونية.
وأذكر أن الوضع داخل الطائرة كان جحيماً لمدة حوالي عشرين دقيقة..
وقد انتاب الذعر جميع الركاب، ولم يكن متوفراً إلا عدداً قليلا من أقنعة الأوكسيجين، خلافا للتعليمات المكتوبة في صفحات الإرشادات وكتيبات السلامة.
بعد الهبوط الاضطراري بالمطار العسكري بسلا.. سيارة من نوع مرسديس اقتربت من الطائرة المنكوبة لاصطحاب صاحب الجلالة إلى المطار المدني بسلا ليستقبل من طرف أعضاء الحكومة. ولم يوجد بينهم الجنرال أفقير؟.
وبعد ذلك، توجه الوفد الرسمي إلى خارج المطار في أول وهلة تحت وابل من نيران طائرة الـ (فـ 5) التي أرغمت الوفد الرسمي للرجوع إلى قاعة الاستقبال.
وتلاها بعد ذلك موكب ثاني الذي غادر بدون أي مشكل، ولم يتمكن الحاضرون من مصاحبة الوفد الرسمي.
أما الدكتور بنجـاي وأنا فقد توجهنا إلى الرباط وانصرف كل واحد إلى مشواره مع البقاء على الاتصال المستمر بواسطة الهاتف.
وفي الساعة الحادية عشر ليلا أخبرني الدكتور بنجـاي بأن الجنرال أوفقير قد انتحـر.
ثم أخذنا ميعادا للقاء في قصر الصخيرات على الساعة الثامنة صباحا من يوم 17 غشت 1972″.
توجد بـاقي تفاصيـل الأحـداث في كتـاب: ” مسـار منـاضـل ” صادر عن دار النشرالمعرفة.الرباط (Parcours d’un combattant)
*ترجمة -الإعلامي الراحل امَحمد العلوي الباهي
