احتضنت محكمة الاستئناف بالرباط خلال شهر مارس الجاري، ندوة علمية هامة خُصصت لمناقشة مستجدات قانون الشيكات في المغرب، خاصة التعديلات التي جاء بها القانون رقم 71.24، والتي تمثل تحولاً نوعياً في طريقة التعامل مع جرائم الشيك بدون رصيد.

وهدفت هذه الندوة إلى تسليط الضوء على أبرز التغييرات التشريعية، التي انتقلت من مقاربة زجرية قائمة على العقوبات السالبة للحرية، إلى توجه جديد يكرّس مبادئ العدالة التصالحية، ويشجع على تسوية النزاعات المالية بطرق ودية.

ومن بين أبرز المستجدات التي تم التأكيد عليها خلال الندوة، التوجه نحو تخفيض العقوبات الحبسية والمالية في عدد من الحالات المرتبطة بإصدار الشيكات بدون رصيد، مقابل الإبقاء على الصرامة في حالات النصب والاحتيال والتزوير، بما يضمن التوازن بين حماية المعاملات المالية وزجر السلوكيات الإجرامية.

كما أقر القانون الجديد شرط “الإعذار” كمرحلة أساسية قبل تحريك الدعوى العمومية، حيث يُمنح مُصدر الشيك مهلة تصل إلى 30 يوماً، قابلة للتمديد، لتسوية وضعيته المالية، وهو ما يُعد خطوة تهدف إلى تقليص النزاعات القضائية وتشجيع الحلول الودية.

ومن بين أهم التحولات التي جاء بها القانون، إقرار إمكانية إسقاط الدعوى العمومية في حال أداء مبلغ الشيك أو تنازل المستفيد، شريطة أداء غرامة محددة في 2% من قيمة الشيك. ويترتب عن ذلك وقف المتابعة أو الإفراج عن المعتقل، في توجه واضح نحو تعزيز آليات الصلح.

وشملت التعديلات أيضاً توحيد التوصيف القانوني للجريمة ليصبح “إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها”، مع اعتماد مقاربة جديدة في التعامل مع شيكات الضمان، خاصة في المجال التجاري، بما يقلل من اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.

وفي إطار تحديث المنظومة الجنائية، تم التنصيص على اعتماد بدائل للاعتقال، من بينها إمكانية استخدام السوار الإلكتروني، وكذا إيقاف تنفيذ العقوبات الحبسية في حال أداء قيمة الشيك، وهو ما يعكس توجهاً نحو عقلنة السياسة العقابية.

وتندرج هذه الندوة في سياق مواكبة دخول التعديلات القانونية حيز التنفيذ، بمشاركة عدد من الفاعلين المؤسساتيين، من ضمنهم بنك المغرب، وممثلو النيابة العامة، إلى جانب قضاة وخبراء قانونيين، وذلك بهدف توحيد العمل القضائي وضمان تنزيل سليم للنصوص الجديدة.

وتعكس هذه الإصلاحات توجهاً تشريعياً جديداً يروم تحقيق التوازن بين حماية الثقة في المعاملات التجارية من جهة، وصون حقوق الأفراد والحد من اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية من جهة أخرى، بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *