منذ أن صادق مجلس الأمن على القرار التاريخي رقم 2797 القاضي باعتبار مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الذي على أساسه سيكون التفاوض بين أطراف النزاع، وقضية الصحراء المغربية تعرف دينامية خاصة دبلوماسية واقتصادية تجسد أبعاد السيادة المغربية، أبرزها تأييد جميع دول الاتحاد الأوروبي لمقترح الحكم الذاتي للمرة الأولى خلال مجلس الشراكة مع المغرب، في 29 يناير الأخير ببروكسيل، وتوقيع الحكومة المغربية الخميس الماضي مع تحالف ORNX الدولي الذي يضم شركات أمريكية وإسبانية وألمانية، اتفاقية تهم حجز وعاء عقاري من أجل إنجاز مشروع ضخم لإنتاج الأمونيا منخفضة التكلفة بمدينة العيون، باستثمار يقدر بنحو 4.5 مليارات دولار. ويضم التحالف كلا من شركة Ortus الأميركية، و Acciona الإسبانية، و Nordex الألمانية. ويخطط التحالف لإنجاز ثلاثة مشاريع متكاملة لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
في صلب هذه الدينامية يوجد النقاش الوطني بخصوص تحيين مقترح الحكم الذاتي الذي أمر به جلالة الملك محمد السادس، بالنظر إلى حجم التحولات التي عرفها المغرب منذ سنة 2007، خاصة في ضوء التعديل الدستوري لسنة 2011 والقانوني التنظيمي للجهات 111.14، بالإضافة إلى الممارسة المتعلقة باللاتمركز واللامركزية في أبعادها المختلفة. لكن بغض النظر عن الصيغة المحينة للحكم الذاتي في الصحراء المغربية، فإنه يجدر بنا استحضار أنه في كل نقاش حول الصحراء المغربية، تطفو على السطح مجموعة من الأفكار التي تقدم كحقائق بديهية، بينما هي في الواقع نتاج تراكم إيديولوجي وسياسي أكثر مما هي خلاصات تاريخية أو قانونية راسخة. هذه الأفكار، التي يمكن وصفها بـ«الخرافات المؤسسة للنزاع»، لم تعد تملك اليوم القدرة على الصمود أمام التفكيك النقدي، سواء من زاوية التاريخ أو القانون الدولي أو التجارب المقارنة.
أولى هذه الخرافات هي الادعاء بوجود «شعب صحراوي» مستقل عن الشعب المغربي. فهذا المفهوم، كما تظهر الوثائق والأبحاث الجادة، لم ينبثق من مسار تاريخي طبيعي، ولم يتأسس على سردية وطنية جامعة أو تجربة سياسية ذاتية، بل جرى تصنيعه داخل السياق الاستعماري الإسباني في ستينات وسبعينات القرن الماضي. الهدف لم يكن حماية «هوية» مزعومة، بل خلق كيان رمزي يستعمل لمعادلة المطالبة المغربية باستكمال وحدتها الترابية.
القبائل الصحراوية، تاريخيا، لم تكن منعزلة عن المغرب، بل كانت جزءا من مجاله الاقتصادي والروحي والسياسي، وأسهمت في مقاومة الاستعمار باسم المغرب لا ضده. وعليه، فإن الحديث عن «شعب صحراوي» بالمعنى القومي الحديث ليس سوى إسقاط استعماري أُعيد تدويره في سياقات لاحقة.
الخرافة الثانية تتعلق بحق تقرير المصير، الذي يختزل في خطاب بعض الأطراف في خيار وحيد هو الاستقلال عبر استفتاء ثنائي. غير أن القانون الدولي لم يفهم تقرير المصير بهذا التبسيط المخل. فالأمم المتحدة لم تضع هذا الحق في تعارض مع وحدة الدول، بل اعتبرته قابلا للتجسيد داخلها، من خلال الحكم الذاتي وتوسيع الحقوق السياسية والثقافية. التجارب التي يستشهد بها لتبرير الانفصال، مثل تيمور الشرقية أو جنوب السودان بالإضافة إلى انها لم تقم على شرط تحديد الهوية، فقد انتهت إلى أزمات عميقة، في حين أن نماذج الحكم الذاتي داخل الدول، من فنلندا إلى إيطاليا وإيرلندا الشمالية وإسبانيا وإيطاليا، أثبتت قدرة أكبر على تحقيق الاستقرار. في هذا الإطار، يبرز مقترح الحكم الذاتي المغربي كصيغة حديثة لتقرير المصير الداخلي، وهو ما أصبح اليوم مع القرار 2797 توجها لمجلس الأمن وللأمم المتحدة ومساهمة جريئة في تطوير القانون الدولي وحماية حق الدول في وحدتها الترابية في مواجهة خطاب عن تقرير المصير هو في العمق خطاب لتقسيم والتجزئة وهو ما يشكل تهديداً جديا للسلام والاستقرار الدوليين في أكثر من منطقة حول العالم.
أما الخرافة الثالثة، فهي ادعاء الجزائر المبدئية والحياد. فالخطاب الجزائري يرفع شعار تصفية الاستعمار، لكنه يتمسك في الوقت نفسه بالحدود التي رسمها الاستعمار نفسه، ويحول هذا التناقض إلى أداة سياسية. الأخطر أن الجزائر ليست مراقبا خارجيا، بل طرفا فعليا: تستضيف جبهة مسلحة، تمولها وتسلحها وتوفر لها الغطاء الدبلوماسي، ثم تصر على تقديم نفسها كوسيط محايد. هذا السلوك، وفق منطق القانون الدولي، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تورطا مباشرا في صناعة النزاع واستمراره، وقد أكتشف العالم ذلك بما لا يدع مجالا للشك.
الخرافة الرابعة تتمثل في فكرة الاستفتاء القائم على تحديد الهوية. ففشل خيار الاستفتاء في الصحراء لم يكن نتيجة رفض مبدئي، بل بسبب استحالة الاتفاق على من يملك حق التصويت. اعتماد إحصاء استعماري ضيق لسنة 1974 أقصى فئات واسعة من الصحراويين الرحل، وحول عملية تحديد الهوية إلى صراع سياسي وقبلي مفتوح. ومع تراكم الاعتراضات واستحالة الحسم، أقرت الأمم المتحدة نفسها بعدم قابلية هذا المسار للتطبيق، ما دفعها إلى البحث عن حل سياسي واقعي، وقد كان هذا اختيار الأمم المتحدة وقد تجاوب المغرب مع ذلك بتقديم مبادرة الحكم الذاتي.
الخرافة الخامسة تتعلق بمخيمات تندوف، حيث يستعمل مفهوم «اللاجئين» خارج معناه القانوني والإنساني. فوجود مليشيا مسلحة، وغياب الإحصاء الأممي، ومنع السكان من حرية التنقل والاختيار، كلها عناصر تظهر أن الأمر لا يتعلق بلاجئين بالمعنى المتعارف عليه، بل بسكان محتجزين داخل منظومة عسكرية-سياسية، تستثمر معاناتهم في لعبة جيوسياسية إقليمية، وهنا تتحمل الجزائر المسؤولية لأنها ترفض تطبيق قرارات مجلس الأمن التي طالبت بإحصاء المحتجزين لكنها رفضت ذلك باستمرار، لأن غموض تركيبة المخيمات القبلية كان ولا يزال جزءا من متطلبات الدعاية الجزائرية على الطريقة السوفياتية.
ثم تأتي خرافة التمثيلية الحصرية للبوليساريو، في حين لا يوجد أي قرار أممي يمنحها صفة الممثل الشرعي والوحيد للصحراويين. بل إن رئيس جبهة البوليساريو في الأيام الأخيرة قال بأن الجبهة لا تملك قرار قبول صيغة الحكم الذاتي وأن ذلك يعود إلى «الشعب الصحراوي» دون أن يتحرج من القول في نفس السياق بأن الجبهة هي الممثل الشرعي والوحيد لما يسمى «شعب صحراوي»، يكشف ذلك حجم الارتباك الذي توجد فيه قيادة البوليساريو ومن ورائها الجزائر.
وتتوج هذه السلسلة من الخرافات بمفارقة صارخة: كيان يعلن نفسه «جمهورية» ثم يطالب في الوقت ذاته بتقرير المصير، في تناقض منطقي يكشف هشاشة البناء المفاهيمي الذي يستند إليه.
في النهاية، يتضح أن نزاع الصحراء لم يستمر طيلة نصف قرن بقوة الوقائع، بل بقوة الخرافات التي يعاد صياغتها باستمرار. تفكيك هذه الخرافات ليس دفاعا عن حقوق المغرب فقط، بل دفاع عن منطق القانون الدولي وعن حق الشعوب في حلول واقعية تحمي الإنسان من أن يكون رهينة لأوهام جيوسياسية تجاوزها الزمن.
بقلم: عادل بن حمزة| نشر بجريدة “العلم” عدد الإثنين 9 فبراير 2026
