بعد الصدمة…وبعد أن عشت الخوف كما عاشه كل قصراوي… بحكم تواجدي بالقصر الكبير يومي الفيضانات الأولين… ورأيتُ بأم عيني القلق و الخوف من المجهول…
كان بإمكاني أن أكتب بدافع الغضب و الهيستيريا…
ولكني تريثت و قررت و بعد الصدمة… أن أكتب بدافع الأمل المسؤول…
نعم، إنه لا يجدينا اليوم الخوض في التفاصيل التقنية ولا البحث في المسؤوليات…
بل علينا أن نسترد وعينا… علينا جميعًا أن نربط جأشنا وأن نُجمِع على عهدٍ واضح وبدون تردد…
مهما كان الثمن وبحول من الله و قوته لن يموت أحدٌ منّا بسبب الفيضانات و أننا سنعود و نعيد الحياة إلى مدينتنا…
ونحن نستعيد توازننا… نجد السؤال الذي ينخر الإحساس الجماعي و الذي يسكن كل عائلة من عوائل هذه المدينة…
ماذا علينا أن نفعله الآن وكيف ستتطور الأمور…
ورغم أنني لست من مدبري الشأن العمومي… ولكن بحكم تجربتي المتواضعة في تدبير الأزمات… وددت أن أتقاسم معكم تصورًا لمراحل تطور هذه الأزمة…
قائمًا على ثلاث ركائز واضحة…
إنقاذ الإنسان اليوم… حفظ كرامته غدًا… ورفض العودة إلى الخطر بعد سنة…
1- المرحلة الآنية… مرحلة الاستعجال و الشتات…
الهدف الأسمى لهذه المرحلة هو إنقاذ الأرواح… فهذه أولوية مطلقة…وهنا لابد من أن نثمن عاليا الرعاية الملكية السامية و التدخل الحاسم لقواتنا المسلحة…
وكذا مجهودات السلطات المحلية و الأمنية من أمن و درك و مطافئ و قواة مساعدة… وكذلك السلطات المنتخبة…
كما أعبر عن فخري الكبير بتجاوب قصراوة مع القرارات في هذا الضرف العصيب و الصعب…
فرغم لوعة الفراق و الخوف من المجهول غادر أغلبية قصراوة بيوتهم و أزقتهم…
بل قبلوا أن يجتثوا مؤقتاً من منازلهم… حتى لا يموت أحد منا…
ما نطالب به اليوم هو حد أدنى من التواصل والوضوح… فأرواحنا مازالت هناك… حتى وإن نزحت أجسادنا…
أما مرحلة الشتات والتي نعيشها كذلك الأن… نحن اليوم أمام واقع مؤلم… فجزء من قصراوة تحت الخيام داخل المدينة… وآخرون نازحون إلى مدن أخرى… مقابل من بقوا مستقرين في بيوتهم داخل القصر الكبير أو خارجها…
ولي كامل الثقة أن مدبّري الشأن العمومي سيعتنون بأصحاب الخيام…
لكن المسؤولية الأكبر اليوم تقع علينا نحن المستقرين في المدن الأخرى… كثير من إخواننا فقدوا عملهم وقوت يومهم ونزحوا بالقليل القليل…
علينا أن نكون أنصار هؤلاء المهاجرين… أن نأخذ بأيديهم ولو إلى حين… ولا يهم أن تطول المدة أو تقصر…
فبحفظ كامل لكرامتهم… يجب التضامن معهم على أرض الواقع… واحتضان كل من اضطر إلى مغادرة بيته دون وصم ولا إهمال…
نعم يجب أن نحفظ كرامتهم و كرامتنا…كرامة النازحين… وكرامة الصامدين… وفي ذلك فليتنافس المتنافسون…
2- على المدى القصير… مرحلة التعافي:
وهذه أصعب المراحل… فيها يجب ألّا نستعجل العودة قبل تقييم دقيق وشفاف للأضرار… وقبل إعادة الخدمات الحيوية… مع مواكبة نفسية واجتماعية حقيقية للمتضررين…
فنحن نرنو إلى عودةٍ للحياة الطبيعية تجبر الضرر بكرامة… وتداوي الجراح الظاهرة والخفية… فالتعافي ليس عودة عمياء إلى ما كان، بل بداية أهدأ وأصلب…
أما بالنسبة للأسئلة الذي تؤرقنا جميعًا… هل ستدك مدينتنا و تصير خرابا؟ و هل سنعود يوما إلى حينا؟ هل سنعود كما كنا من قبل؟..
فالجواب سهل ممتنع… مهما كلفنا الثمن… وإن اضطررنا إلى إعادة بناء كل المدينة… فسنفعل… لبنةً لبنة… بإذن الله…
3- على المدى المتوسط… مرحلة الوقاية:
يجب أن نتفق جميعا على أن الوقاية ليست ترفًا… بل حقًّا… علينا كمدينة… و كمسؤولين وطنين و جهويين و محليين و كساكنة أن نقرّر بوعي جماعي ألّا نعود أبدًا إلى هذه الوضعية… أن ننظر إلى المستقبل بعينٍ مفتوحة… وأن نبني مدينة لا تفاجئها المياه… ولا تُؤخذ على حين غفلة… علينا إعادة تقييم دور منشآت الحماية الوقاية… و إرساء نظام إنذار مبكر فعّال… وتهيئة المجال النهري بما يحمي المدينة… علينا مراجعة التخطيط العمراني ومنع البناء في مناطق الخطر… فالوقاية ليست ترفًا… بل حقًّ… وبدونها ليس هناك مستقبل لمدينتنا…
و في الأخير…كلي ثقة… أنه من رحم هذه المحنة… سننهض جميعاً… بدون تخلف أي أحد منا… لا لأننا مجبرون… بل لأننا مغاربة… و قصراوة…
………….
نداء عاجل
بعد إعلان الإجلاء الكلي لساكنة مدينة القصر الكبير… المرجو الفتح الفوري للفضاءات العمومية لإيواء النازحين في ظروف تحفظ كرامتهم: فتح القاعات الرياضية و دور الشباب و مراكز التخييم و كل مراكز الإيواء الممكنة…
حفظنا الله جميعا

الدكتور عز الدين الإبراهيمي
