في خطوة أثارت الكثير من الحبر والنقاش في الصالونات السياسية المغربية، جاء قرار عزيز أخنوش، رئيس الحكومة والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار، بعدم الترشح لرئاسة الحزب، ليشكل زلزالاً في المفاهيم التقليدية للزعامة الحزبية في المغرب.
هذه الخطوة لم تكن مجرد قرار شخصي عابر، بل وُصفت بأنها صفعة سياسية مباشرة لثلاثي الحرس القديم، عبد الإله بن كيران وإدريس لشكر ونبيل بن عبد الله، الذين ارتبطت أسماؤهم بالبقاء الطويل في واجهة المشهد.
كسر صنم الكرسي
لقد ارتبطت الزعامة السياسية في المغرب لعقود بمفهوم الخلود في المنصب والتمسك بالحصانة البرلمانية كجزء من الهيبة القيادية.
وبينما يصر زعماء مثل عبد الإله بن كيران في حزب العدالة والتنمية، وإدريس لشكر في الاتحاد الاشتراكي، ونبيل بن عبد الله في التقدم والاشتراكية على التشبث بمقاعدهم القيادية والبرلمانية، جاء أخنوش ليقدم نموذجاً مغايراً يعتمد على براغماتية النتائج بدلاً من كاريزما المقعد الشخصي.
أخنوش، الذي يقود التحالف الحكومي، اختار الاكتفاء بالتدبير التنفيذي والإشراف الحزبي العام، ممرراً رسالة مفادها أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التجديد وضخ دماء جديدة في المؤسسة التشريعية بدلاً من احتكار المقاعد للوجوه ذاتها.
الحرس القديم في مواجهة الإحراج
يجد الثلاثي المذكور أنفسهم اليوم في وضع محرج أمام قواعدهم الحزبية والرأي العام الوطني، حيث تضعهم هذه الخطوة في موقف المدافع عن “أزلية” وجودهم.
عبد الإله بن كيران الذي عاد من الاعتزال ليقبض مجدداً على زمام حزب المصباح يرى في قرار أخنوش تجريداً لخطابه القائم على المواجهة الانتخابية المباشرة.
أما إدريس لشكر الذي طوع قوانين حزبه لضمان ولايات إضافية، فقد بات يواجه تساؤلات صعبة حول جدوى بقائه في الواجهة بينما يتنحى خصمه اللدود طواعية عن سباق المقاعد.
وفي السياق ذاته، يجد نبيل بن عبد الله نفسه أمام مقارنة قاسية بين جيل ينسحب ليُفسح المجال للكفاءات، وجيل يرفض مغادرة القاعة حتى بعد أن استنفد كل أوراقه السياسية.
دلالات الصفعة السياسية
يرى مراقبون أن عدم ترشح أخنوش يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد الزهد في المقعد البرلماني.
تكمن الدلالة الأولى في ترسيخ مأسسة الحزب بدلاً من شخصنته، عبر الانتقال من نموذج الزعيم الملهم الذي يجر الحزب خلفه إلى نموذج المؤسسة التدبيرية التي تفرز نخبها بشكل طبيعي.
كما تهدف الخطوة إلى إحراج الخصوم السياسيين ودفعهم إلى الزاوية، وإظهارهم بمظهر المتمسكين بالامتيازات الشخصية أمام جيل جديد من السياسيين يركز على الفعالية الحكومية.
إنها محاولة صريحة لتغيير قواعد اللعبة، عبر التأكيد على أن الشرعية السياسية تُستمد من الإنجاز الميداني والتدبير التنفيذي، وليس من الخطب الرنانة تحت قبة البرلمان التي اعتاد عليها زعماء المعارضة.
ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة أحزاب الحرس القديم على التقاط هذه الإشارة وفتح الباب أمام نخبها الشابة لتجديد النخب السياسية المغربية.
فهل يستمر بن كيران ولشكر وبن عبد الله في اعتبار أنفسهم ضرورة تاريخية لا يمكن تعويضها، أم أنهم سينحنون للعاصفة التي أحدثها أخنوش؟ الواقع يؤكد أن قطار التغيير قد انطلق بالفعل، وأن البقاء في الكرسي الأبدي قد يتحول من مصدر قوة إلى عبء سياسي ثقيل يسرع بنهاية هؤلاء الزعماء في ذاكرة المغاربة.
إدريس لكبيش/ Le12.ma
