يودع المغاربة عام 2025 وهم يستحضرون شريطاً طويلاً من الأحداث التي جعلت من هذه السنة محطة مفصلية في تاريخ المملكة الحديث.
فبينما حلقت البلاد عالياً في سماء الرياضة العالمية وحققت مكاسب دبلوماسية غير مسبوقة، واجهت في الداخل تحديات اقتصادية واجتماعية فرضت نفسها بقوة على طاولة النقاش العمومي، مما خلق مزيجاً فريداً من التفاؤل والواقعية في الشارع المغربي.
الرياضة.. القوة الناعمة التي لا تقهر
لقد كان عام 2025 بمثابة العصر الذهبي للرياضة الوطنية، حيث تحول المغرب من منظم بارع للتظاهرات إلى رقم صعب في منصات التتويج العالمية والعربية.
تجسد هذا التألق في الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني للشباب بانتزاع لقب كأس العالم للشباب، ليدخل التاريخ كأول بلد عربي يحقق هذا الإنجاز.
ولم تتوقف النجاحات عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل الزعامة العربية بعد تتويج المنتخب الرديف بلقب كأس العرب في قطر، وصولاً إلى الانطلاقة المبهرة لنهائيات كأس الأمم الأفريقية على الملاعب المغربية في نهاية السنة، وهي التظاهرة التي أثبتت جاهزية المملكة التامة لاحتضان مونديال 2030.
الاقتصاد.. نمو صامد وسط تحديات المناخ
على الصعيد الاقتصادي، أظهرت المملكة مرونة لافتة في مواجهة التقلبات المناخية والجيو-سياسية، حيث سجل الاقتصاد الوطني معدلات نمو إيجابية بلغت ذروتها في الفصل الثاني بنسبة 5.5 في المائة.
وواصل المغرب مساره التصاعدي في قطاعات صناعية حيوية، خاصة صناعة السيارات الكهربائية وأجزاء الطيران، مع تسجيل نمو ملحوظ في الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وقد ساهم الانتعاش الملحوظ في القطاع الفلاحي بفضل التساقطات المطرية المنتظمة، إلى جانب زخم قطاعي الصناعة والسياحة، في تعزيز النمو الاقتصادي الوطني.
وبسبب توالي سنوات الجفاف، كان عام 2025 عام “ثورة الماء”، حيث تم تسريع إنجاز محطات كبرى لتحلية مياه البحر وشق الطرق السيارة للماء لربط الأحواض المائية، وهو ما ساهم في تأمين التزويد بالماء الشروب وحماية القطاع الفلاحي من التذبذبات المناخية.
الشارع والتشريع.. جدل “جيل زد” والملفات الساخنة
اجتماعياً، لم تكن السنة هادئة تماماً، إذ شهدت مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء تحركات احتجاجية قادها جيل الشباب أو ما يعرف بـ “جيل زد”، للمطالبة بفرص شغل نوعية وتحسين شروط العيش الكريم.
وتزامنت هذه الحركية مع حسم الحكومة لملفات تشريعية ظلت عالقة لسنوات، حيث تمت المصادقة على قوانين جوهرية شملت قانون الإضراب والمسطرة الجنائية وقانون العقوبات البديلة، وهي تشريعات أثارت نقاشاً مجتمعياً حاداً.
كما طبعت ذاكرة السنة واقعة “عيد الأضحى” التي تميزت بظروف استثنائية بسبب غلاء الأسعار، مما جعلها من اللحظات الصعبة التي اختبرت القدرة الشرائية للمواطنين.
الدبلوماسية والكوارث الطبيعية
وفي الملف الدبلوماسي، واصل المغرب تعزيز سيادته الوطنية مع توالي الاعترافات الدولية بمخطط الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، مما كرس مكانة المملكة كلاعب محوري في الخارطة السياسية الدولية.
وقد تعززت هذه الدينامية بتقوية الشراكات الاستراتيجية مع القوى الكبرى وتفعيل مشاريع “المبادرة الأطلسية” التي تهدف إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي عبر الموانئ المغربية، مما جعل المغرب جسراً محورياً بين أفريقيا وبقية العالم.
إلا أن هذه النجاحات تخللتها لحظات حزن وطني إثر الفيضانات المأساوية التي ضربت مدينة آسفي في شهر أكتوبر، والتي تسببت في خسائر بشرية ومادية مؤلمة، مما أعاد فتح النقاش الوطني حول جودة البنية التحتية وخطط الطوارئ في مواجهة التغيرات المناخية المتطرفة.
عام الحسم الدبلوماسي وترسيخ السيادة الوطنية
شكل عام 2025 انعطافة تاريخية في مسار قضية الصحراء المغربية، حيث توجت المملكة المغربية سلسلة نجاحاتها الدبلوماسية بصدور القرار رقم 2797 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 31 أكتوبر.
هذا القرار لم يكتفِ بتمديد ولاية بعثة “المينورسو” حتى عام 2026، بل كرس بشكل لا يدع مجالاً للشك أولوية مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع المفتعل، محققاً دعماً دولياً واسعاً يعكس الاعتراف المتزايد بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
واحتفاءً بهذا التحول الاستراتيجي، خلد المغرب هذا الإنجاز بقرار ملكي سامٍ أعلن من خلاله يوم 31 أكتوبر عيداً وطنياً تحت اسم “عيد الوحدة”.
ويأتي هذا العيد الجديد، الذي يتزامن مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، ليربط ماضي الكفاح من أجل الاستكمال الترابي بحاضر التنمية والتمكين، مؤكداً أن عام 2025 هو “عام الحسم” الذي انتقلت فيه المملكة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة تثبيت المكتسبات، تحت شعار دائم: المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها.
إدريس لكبيش/ Le12.ma
