لم تكن سنة 2025 مجرد رقم عابر في أجندة الزمن المغربي، بل كانت فصلاً حزيناً طويت فيه صفحات مشرقة من تاريخنا الثقافي.

فمنذ مطلع العام وحتى نهايته، توالت أنباء الرحيل التي هزت بيوت المغاربة، لتعلن مغادرة قامات فنية صاغت بوجدانها ملامح الهوية الفنية للمملكة، مخلفة وراءها فراغاً لا يملؤه سوى أرشيف من الإبداع والوفاء للوطن.

​رحيل “سيدة الطرب” وأيقونات الغناء

​في مقدمة الراحلين، ودعت الأغنية المغربية الأيقونة نعيمة سميح، سيدة الطرب التي غادر صدى صوتها الدنيا بعد مسيرة طويلة من العطاء، حيث لم يكن رحيل صاحبة “جريت وجاريت” مجرد فقدان لصوت عذب، بل كان غياباً لمدرسة غنائية جسدت الأصالة المغربية لعقود وجعلت من النغمة المغربية سفيراً فوق العادة.

كما التحق بالرفيق الأعلى الملحن والمطرب محسن جمال، الذي ظل حتى أنفاسه الأخيرة مخلصاً للألحان الخالدة التي بصمت مسار كبار الفنانين، مؤكداً برحيله أن جيل الرواد يودعنا تباعاً تاركاً خلفه ثروة موسيقية لا تقدر بثمن.

​شاشة التلفزيون والسينما.. كراسي شاغرة

​أما الدراما والسينما المغربية فقد كان لها نصيب وافر من مرارة الفقد، حيث غيب الموت وجوهاً ألفها المشاهد المغربي لسنوات طوال، وعلى رأسهم الفنان المثقف محمد الشوبي الذي عرف بمواقفه الجريئة وأدواره المركبة التي منحت السينما المغربية عمقاً إنسانياً فريداً.

وبجانبه ودعت الساحة الفنية الهرم عبد القادر مطاع، الرجل الذي جسد شخصية “الطاهر بالفياض” وحفر اسمه في ذاكرة الأجيال كأب روحي للممثلين المغاربة.

ولم يتوقف نزيف الفقد هنا، بل امتد ليشمل الفنانة العفوية نعيمة بوحمالة التي كانت بمثابة الأم في كل بيت مغربي، والفنان الرزين محمد الرزين الذي ظل وفياً للأداء الهادئ والعميق، وصولاً إلى الممثلة القديرة أمينة بركات التي رحلت في صمت مهيب تاركة إرثاً من الأعمال الاجتماعية التي لامست قضايا المجتمع المغربي بكل صدق.

​صدمات الفقد المبكر

​ولم تخلُ سنة 2025 من صدمات رحيل مبكر أدمت القلوب، كان أبرزها وفاة الإعلامية والممثلة الشابة كوثر بودراجة، التي غيبها الموت وهي في أوج تألقها وعطائها، مما خلف صدمة واسعة في الوسط الإعلامي والفني لرحيل موهبة كانت تعد بالكثير.

كما فجع المسرح المغربي برحيل الفنان أمين هاني، أحد فرسان الدبلجة والخشبة، الذي غادرنا في سن العطاء، تاركاً وراءه لوعة في قلوب زملائه ومحبيه الذين رأوا فيه استمراراً لجيل المبدعين الشغوفين بالفن الرابع.

​خاتمة.. رحلوا وبقي الأثر

​إن كان جسد هؤلاء المبدعين قد توارى تحت الثرى خلال هذه السنة الصعبة، فإن أرواحهم ستبقى ترفرف فوق خشبات المسرح، وستظل وجوههم تطل علينا عبر الشاشات في كل مرة يُعرض فيها عمل فني مغربي أصيل.

لقد رحل هؤلاء الرواد والشباب بجسدهم، لكنهم تركوا أمانة فنية في عنق الأجيال القادمة، ليبقى الفن المغربي حياً بذاكرة من رحلوا وإبداع من سيحملون المشعل من بعدهم.

إدريس لكبيش/ Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *