أصدر السلطان المغربي محمد بن عبد الله (محمد الثالث) في 20 ديسمبر 1777 إعلاناً رسمياً بفتح الموانئ المغربية أمام السفن التجارية الأمريكية، وهو الإجراء الذي يصنفه الأرشيف الوطني الأمريكي (National Archives) والوثائق الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية (Office of the Historian) كأول اعتراف رسمي بجمهورية الولايات المتحدة الأمريكية الناشئة.

جاء هذا القرار السياسي في سياق الثورة الأمريكية ضد التاج البريطاني، ومثّل دعما لوجستيا وقانونيا للسفن الأمريكية التي كانت تفتقر آنذاك للحماية الدبلوماسية في المحيط الأطلسي، وهو ما فصلت فيه الباحثة “لويلا هول” (Luella J. Hall) في كتابها المرجعي “الولايات المتحدة والمغرب، 1777-1956”.

وقد تكللت هذه الخطوة الاستباقية في عام 1786 بتوقيع “معاهدة الصداقة والملاحة” بين المملكة المغربية والولايات المتحدة، والتي كُتبت في “محكمة المغرب” (Our court of Morocco) في 25 من شهر شعبان المبارك عام 1200 هجرية.

وتكشف الوثائق الأصلية المحفوظة في مكتبة الكونغرس الأمريكي (Library of Congress) أن الجانب الأمريكي خاطب ووصف سلطان المغرب بلقب “إمبراطور المغرب” (Emperor of Morocco)، وهو اعتراف صريح بمكانة المملكة كإمبراطورية ذات سيادة.

وقد حملت الوثيقة توقيع كل من “جون آدامز” و”بنجامين فرانكلين” و”توماس جيفرسون” كمفوضين من طرف الولايات المتحدة للتفاوض مع سفير أو مفوض جلالة إمبراطور المغرب، بينما وقعها عن الجانب المغربي السفير “الطاهر بن عبد الحق فنيش” الذي وصفته الوثيقة بعبارة “خادم الملك”.

وقد صادق الكونغرس على هذه المعاهدة في مدينة نيويورك بتاريخ 18 يوليوز 1787، لتصبح أقدم معاهدة دبلوماسية لا تزال سارية المفعول في تاريخ الولايات المتحدة دون انقطاع.

وقد توثقت هذه العلاقة من خلال مراسلات رسمية مباشرة عكست الاحترام المتبادل، حيث كتب السلطان سيدي محمد بن عبد الله في رسائله الأولى التي استلمها المسؤولون الأمريكيون:

“لقد أمرنا جميع قادتنا في موانئنا بأن يعاملوا السفن الأمريكية بما تقتضيه المودة، وبأن يمنحوها كل التسهيلات التي تمنح للدول الصديقة”.

ومن جانبه، وجه الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن رسالة تاريخية للسلطان في 1 ديسمبر 1789 (محفوظة ضمن أوراق واشنطن الرسمية) قال فيها:

“لقد كان من دواعي سروري أن أتلقى رسائل جلالتكم.. إن ثبات جلالتكم على المودة تجاه الولايات المتحدة، والتدابير التي اتخذتموها لحماية تجارتنا، تركت فينا أثراً عميقاً.. وستجدون في الولايات المتحدة صديقاً مخلصاً”.

ويؤكد المؤرخون في التاريخ الدبلوماسي للولايات المتحدة أن هذه المراسلات كانت اعترافاً متبادلاً بسيادة دولتين، حيث يظل الأرشيف الأمريكي محتفظاً بهذه الوثائق كجزء من الذاكرة السياسية التي تثبت ريادة المغرب الدولية في تلك الحقبة.

تحت صورة هذه المعاهدة الموجودة في مكتبة الكونغرس الأمريكي نجد مكتوباً:

مخطوط أصلي من معاهدة الصداقة والملاحة المبرمة بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية سنة 1786، والمحفوظة في الأرشيف الوطني الأمريكي.

وهذا ما كان.

*أحمد الدافري-.جامعي وكاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *