في صيف 2015، كان الطريق الرابط بين بوزنيقة وابن سليمان يعجّ بحركة غير معتادة.
لافتة كبيرة تعلن عن ميلاد مشروع سكني جديد يحمل اسما واعدا: “إقامة النهضة”. شقق اقتصادية بثمن 25 مليون سنتيم، وأخرى متوسطة، في موقع قيل إنه استراتيجي، وإعلانات تلفزية زادت الحلم بريقا.
بالنسبة لكثيرين، خاصة من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بدا الأمر فرصة لا تُفوّت.
عبد القادر، مهاجر مغربي بإيطاليا، يتذكر تلك اللحظة جيدا. يقول إنه شاهد وصلة إشهارية للمشروع خلال شهر رمضان، فشعر بأن الأمر جدي وموثوق. “الإشهار في التلفزيون أعطانا الثقة”، يقول بأسى.
لم، يتردد عبد القادر ، في تحويل مدخرات سنوات من العمل، على دفعات، ليحجز شقة مساحتها 70 مترا مربعا، يأمل أن تكون مستقرا له ولأسرته عند العودة النهائية إلى أرض الوطن.
عبد القادر، لم يكن وحده. أكثر من 750 شخصا ساروا في الاتجاه نفسه. دفعات مالية متتالية، عقود، ووعود بقرب التسليم. الأشغال انطلقت فعلا فوق ثلاث قطع أرضية بمحاذاة الطريق الرئيسية. الأعمدة ارتفعت، والجدران بدأت تتشكل. الحلم صار ملموسا.
ثم، فجأة، توقف كل شيء
الورش صمت. العمال اختفوا. مكتب البيع أُغلق. الهواتف لم تعد تُجاب. ومع مرور الأسابيع، تحول القلق إلى شك، ثم إلى يقين مؤلم: المشروع تعثر، ولا أحد يملك جوابا واضحا.

بحسب المعطيات التي يتداولها المتضررون، فإن المنعش العقاري جمع ما بين 7 و7.5 مليارات سنتيم من المكتتبين، قبل أن تتوقف الأشغال كليا.
“كنا نعتقد أننا نشتري شققا، فاكتشفنا أننا اشترينا وهما”، تقول سيدة من بين الضحايا، مؤكدة أن مدخرات أسرتها تبخرت في مشروع لم يكتمل.
خمس سنوات مرت، والملف يتنقل بين الشكايات والوعود. عشرات الوقفات الاحتجاجية نُظمت أمام المشروع المتوقف. لافتات تُرفع، وأصوات تطالب بالتدخل. بعض الضحايا طرقوا أبواب البرلمان، وآخرون لجؤوا إلى القضاء، في مسار طويل ومعقد.
إعتقال المنعش
في نهاية الأسبوع الماضي، حدث تطور مفاجئ. بعض الضحايا لمحوا المنعش العقاري بمدينة الدار البيضاء.
لم يصدقوا أعينهم.
سارعوا إلى إشعار الشرطة، التي حضرت وأوقفته تنفيذا لمذكرة بحث صادرة في حقه. لحظة التوقيف، بالنسبة لكثيرين، لم تكن انتصارا بقدر ما كانت بداية فصل جديد من الانتظار.
الاثنين الأخير ، أُحيل المعني بالأمر على النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية ببوزنيقة، بناء على الشكايات المتراكمة.
لكن بالنسبة للضحايا، السؤال الأهم ليس فقط من يتحمل المسؤولية، بل: هل سيستعيدون أموالهم؟ هل ستُستكمل الأشغال؟ أم أن الهياكل الخرسانية ستظل شاهدة على حلم سكني تبخر؟
على جانب الطريق هنا ما بوزنيفة وبن سليمان، ما تزال بنايات “النهضة” قائمة، صامتة، بنوافذ بلا زجاج وجدران لم تُطْلَ. تمر السيارات بمحاذاتها كل يوم، وربما لا يعرف ركابها أن وراء تلك الجدران قصة مئات الأسر التي علّقت آمالها على شقة صغيرة، فوجدت نفسها في متاهة قانونية طويلة.
هكذا تحوّل اسم “النهضة” من وعد ببداية جديدة إلى عنوان لواحدة من أكثر قصص السكن الاقتصادي إيلاما في المنطقة.
قصة حلم بدأ بإعلان لامع، وانتهى على أبواب المحاكم.
*محمد نبيل
