في خطوة سياسية كبرى تعكس التحولات العميقة التي تشهدها القارة السمراء، سجلت العلاقات المغربية المالية لحظة فارقة بإعلان جمهورية مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”.
هذا القرار الذي وُصف بالتاريخي، لا يمثل مجرد تغيير في المواقف الدبلوماسية لباماكو، بل يشكل لبنة جديدة في صرح الدينامية الدولية المتنامية المؤيدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
من قلب العاصمة المالية باماكو، نقل وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، تقدير الملك محمد السادس الشخصي لهذا القرار الشجاع.
وأكد بوريطة أن هذه الخطوة تكتسي أهمية بالغة لكونها تمس القضية الأولى للمملكة وللشعب المغربي، مشدداً على أن الموقف المالي الجديد ينسجم تماماً مع روح العصر ومع الواقعية السياسية التي بدأت تفرض نفسها في ملف الصحراء.
إن العودة المالية إلى جادة الصواب الدبلوماسي لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة علاقات ثنائية متجذرة وصفتها الدبلوماسية المغربية بالمتينة ومتعددة الأبعاد.
فالمغرب ومالي يتقاسمان روابط إنسانية وعمقاً تاريخياً يتجاوز المصالح الآنية إلى مبادئ الاحترام المتبادل والتضامن الفاعل.
وقد شكلت الزيارات الملكية السابقة لباماكو خارطة طريق لهذا التقارب، حيث أسست لشراكة استراتيجية تتجاوز البعد السياسي لتشمل الجوانب الروحية والاقتصادية والأمنية.
وعلى الصعيد الرقمي والسياسي، يضع هذا القرار جبهة “البوليساريو” في عزلة قارية متزايدة؛ إذ كشف الوزير بوريطة عن أرقام تعكس حجم التآكل الذي أصاب أطروحة الانفصال.
فخلال الربع قرن الماضي، قامت 54 دولة بسحب اعترافها بهذا الكيان، منها خمس دول انضمت إلى هذا المسار خلال السنتين الأخيرتين فقط، مما يؤكد أن الدائرة تضيق بشكل متسارع حول الكيانات الوهمية.
اليوم، ومع انضمام مالي إلى القوى الدولية والإقليمية التي تغلّب منطق السيادة، باتت مبادرة الحكم الذاتي تحظى بدعم ما يفوق ثلثي الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.
هذا التحول النوعي يكرس المقترح المغربي باعتباره الإطار الوحيد والواقعي لحل النزاع المفتعل، ويفتح آفاقاً جديدة للاستقرار والتنمية في منطقة الساحل والصحراء، بعيداً عن نزعات التجزئة التي لم تعد تجد لها مكاناً في القارة الإفريقية الجديدة.
إ. لكبيش / Le12.ma
