في عالم يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية، أصبحت السيادة الطاقية أحد أهم عناصر الأمن الاستراتيجي للدول.
فالدول التي تتحكم في مصادر طاقتها تحمي اقتصادها من تقلبات الأسواق الدولية وتكتسب استقلالًا استراتيجيًا أكبر.
بالنسبة للمغرب، الذي كان يعتمد لعقود على استيراد أغلب حاجياته الطاقية، تحولت مسألة الاستقلال الطاقي إلى خيار استراتيجي يهدف إلى تعزيز الأمن الاقتصادي وتقوية موقع البلاد في النظام الطاقي العالمي الجديد.
ظل المغرب يستورد نحو 90٪ من حاجياته الطاقية، وهو ما جعل اقتصاده حساسًا لتقلبات أسعار النفط والغاز.
لذلك تبنت المملكة منذ أكثر من عقد استراتيجية طاقية تقوم على تنويع مصادر الطاقة وتطوير الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية بهدف تقليص التبعية للخارج.
الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية هي استغلال الإمكانات الكبيرة التي يتوفر عليها المغرب في الطاقة الشمسية والريحية.
فالمملكة تمتلك أحد أعلى مستويات الإشعاع الشمسي في العالم، إضافة إلى إمكانات كبيرة في طاقة الرياح خصوصًا على السواحل الأطلسية.
وقد تم إطلاق مشاريع كبرى في هذا المجال مثل مركب نور للطاقة الشمسية بورزازات ومزارع الرياح في طرفاية وطنجة وغيرها.
ويهدف المغرب إلى رفع حصة الطاقات المتجددة في القدرة الكهربائية إلى أكثر من 52٪ بحلول سنة 2030، وهو ما قد يقلص بشكل كبير الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد ويخفف الضغط على الميزان التجاري.
كما يتجه المغرب إلى رهان استراتيجي جديد يتمثل في تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر.
فبفضل موارده الشمسية والريحية وموقعه الجغرافي القريب من أوروبا، يمكن للمغرب أن يصبح أحد المنتجين الرئيسيين لهذه الطاقة النظيفة وأن يتحول تدريجيًا من مستورد للطاقة إلى مصدر لها نحو الأسواق الأوروبية.
غير أن تحقيق السيادة الطاقية لا يمر فقط عبر زيادة الإنتاج، بل أيضًا عبر تحسين كفاءة الاستهلاك.
لذلك تعمل المملكة على تطوير سياسات للنجاعة الطاقية لتقليص الاستهلاك في قطاعات النقل والبناء والصناعة.
إلى جانب الطاقات المتجددة، يبرز خيار الطاقة النووية المدنية كمصدر مستقبلي مهم لضمان استقرار الإنتاج الكهربائي. فالطاقات المتجددة بطبيعتها متقطعة، بينما توفر الطاقة النووية إنتاجًا مستقرًا وكبيرًا على مدار الساعة.
وقد بدأ المغرب بالفعل تطوير قدراته العلمية في المجال النووي من خلال مركز الدراسات النووية بالمعمورة والتعاون الدولي في التكنولوجيا النووية السلمية، ما قد يمهد مستقبلًا لإدماج الطاقة النووية في المزيج الطاقي الوطني، خصوصًا مع تطور المفاعلات النووية الصغيرة.
لم يعد ملف الطاقة في المغرب مجرد قضية قطاعية، بل أصبح مشروعًا استراتيجيًا لإعادة بناء النموذج الاقتصادي على أسس أكثر استقلالًا واستدامة.
فالنجاح في تحقيق السيادة الطاقية يمكن أن يقلص التبعية الخارجية ويخلق صناعات جديدة ويعزز موقع المغرب كقوة طاقية صاعدة في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
*إدريس الفينة- خبير اقتصادي
