تشير كل المؤشرات الجيوسياسية الراهنة إلى أن ملف الصحراء المغربية يقترب من محطة المفاوضات الحاسمة، وهي محطة تأتي في سياق استثنائي لم يسبق للمغرب أن دخله بمثل هذا الزخم.
فالمملكة اليوم تدخل أي جولة تفاوضية وهي في “منطقة راحة” ديبلوماسية، مدججة باعترافات دولية وازنة، وافتتاح قنصليات، وتكريس لمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد تحت السيادة المغربية.
ورغم أن المغرب نجح في إخراج الجزائر من سياسة “النعامة” أو حيلة “اختباء الفيل وراء عمود كهربائي”، وأجبرها بالواقعية السياسية على أن تظهر كطرف مباشر ومسؤول عن هذا النزاع المفتعل، إلا أن هذا الانتصار لا ينبغي أن يسقطنا في فخ الغرور.
فما كسبناه بجهد السنين في ردهات الأمم المتحدة وعواصم القرار، لا يجب أن نغامر به على طاولة المفاوضات.
الدبلوماسية، تاريخياً، لا تُبنى على الثقة المطلقة بل على النتائج الملموسة، والمفاوض المغربي يعي جيداً أن “الشيطان يكمن في التفاصيل”.
وبناء على مرجعية الحكم الذاتي، يتحرك المغرب ضمن سقف سيادي واضح لا يقبل التأويل. وإذا كانت المفاوضات بطبيعتها أخذ ورد، فإن هناك “ثوابت” تشكل الهيكل العظمي لأي حل مستقبلي:
1. السيادة غير القابلة للتجزئة: الصحراء مغربية، وجلسات التفاوض هي لتكريس هذه الحقيقة لا لمناقشتها.
2. الحكم الذاتي النهائي: الحل هو حكم ذاتي “إلى الأبد” تحت السيادة المغربية، وليس حلاً مؤقتاً أو مرحلياً يؤدي لسيناريوهات مجهولة.
3. تحصين الحدود الإدارية: وضع حدود واضحة لصلاحيات الحكم الذاتي تمنع تحوله تحت أي ظرف أو ضغط إلى استقلال مقنع.
4. رموز السيادة: لا مساس بالثوابت الوطنية (الملكية، العلم، العملة، الجيش، والتمثيل الدبلوماسي)، فهي خطوط حمراء تسمو فوق أي تفاوض.
ما دون هذه النقاط، يمكن اعتبارها تفاصيل إجرائية وتدبيرية تخضع لمنطق التفاوض المرن.
بلاشك أن المفاوضات لن تكون حبيسة الجدران المغلقة، بل سترافقها “حرب دعائية” ضارية وقاسية.
الخصوم، بعد انكسار أطروحاتهم ميدانياً ودبلوماسياً، سيلجأون إلى “ملعب الإعلام” لبناء سردية مضادة تحاول تصوير المبادرة المغربية على غير حقيقتها، أو ممارسة ضغط نفسي وشعبي للتشويش على المسار التفاوضي من أجل دفعه نحو الباب المسدود.
الضغط الحقيقي اليوم يمارس في الفضاء الرقمي وعبر القنوات الدولية.
لذا، فإن الاستعداد لهذه الحرب الإعلامية لا يقل أهمية عن الاستعداد التقني للمفاوضات. ينبغي تحصين الرأي العام الداخلي والدولي بسردية واقعية تقطع الطريق على الأكاذيب وتثبت المكاسب.
إن من استطاع بذكائه الدبلوماسي أن يغير خارطة المواقف الدولية، قادر بلا شك على تثبيت هذه المكاسب فوق طاولة المفاوضات.
لكن يظل “الحذر” هو الكلمة المفتاح؛ فالدبلوماسية ميدان متحرك، والثبات على الخطوط الحمراء هو الضمانة الوحيدة لإنهاء هذا النزاع المفتعل بشكل يحفظ للمغرب كامل حقوقه التاريخية والسيادية.
*عمر الشرقاوي-جامعي ومحلل سياسي
