كثر الحديث مؤخراً وسط بعض “يساريي المنصات” عن نقاش حول وحدة اليسار، أو إمكانية التنسيق بين مكوناته على الأقل، أو تقديم ترشيحات مشتركة في الانتخابات المقبلة.

والملاحظة الأولى أن هذا النقاش، رغم أهميته، ظل نقاشاً هامشياً ومحدوداً، وتعبيراته دوماً موسومة بالكثير من “حلم يزيح وجهه عن المستقبل”.

هذا النقاش لم يهتم به سوى المناضلين في “أحزاب يسارية”، وجعلوا منه عناوين لندوات داخلية (منا وفينا) على رأي الإخوة المصريين، بينما لم يستطع أن يرتقي ليصبح نقاشاً يهتم به الرأي العام.

وهذا يقود إلى خلاصة قاسية، وهي عزلة اليسار وسط المجتمع الذي يدعي تمثيله والدفاع عنه.

كما يقودنا إلى خلاصة ثانية قاسية كذلك، وهي استمرار الهروب من مساءلة واقع اليسار الحقيقي، الأنانيات المتضخمة، والوهم الممتد عبر الوقت.

فاليسار في المغرب لم يتوحد نهائياً، إذ ظل التنسيق على مستوى مواقف حقوقية أو سياسية في مستوى محدود أيضاً.

والهروب يكون دوماً برفع مطالب دون القدرة على الضغط الفعلي لتحقيقها (تغيير الدستور مثلاً)، أو العودة المتكررة للحديث عن توحيد اليسار، وهو حديث ينتهي في حالات كثيرة إلى تشتت آخر.

المشكل ليس في وحدة اليسار، أو حتى في تحالفه، أو حتى في مستوى أدنى كـ”التنسيق” مثلاً، بدليل أن الأحزاب التي يمكن اعتبارها اليوم في المغرب يمينية تعرف تنوعاً تنظيمياً، وتتنافس فيما بينها انتخابياً، ومع ذلك فهي قوة سياسية. كما أن اليسار في دول أخرى قوة سياسية رغم تشتته.

مشكل هذا “اليسار” هو أنه ليس واقعياً ولا عقلانياً، ويعتقد أن ضعفه يعود إلى الآخرين، لا إلى عجزه عن التغلغل وسط المجتمع، والوضوح معه، وترجمة مطالبه الحقيقية واليومية.

الناس تنتظر منك احتضان قضاياها: تراجع الدخل الفردي، غلاء الأسعار، العجز عن الادخار، الولوج إلى الخدمات الصحية بكرامة، الشغل، ضمان تقاعد مريح، وتعليم مجاني بجودة عالية.

أما الاستغراق في استهلاك النقاش حول عبارة “وحدة اليسار”، وباشتراطات تعجيزية يضعها كل مكون في وجه الآخر، فهو وجه من أوجه الهروب الدائم من استحقاق محاسبة الذات، والبحث عن الطريقة الأنسب للعمل مع أوسع شريحة من المواطنات والمواطنين، وتمثل مطالبهم والترافع عنها في زمن الانتخابات أو غيرها.

*تحرير حنان رحاب – قيادية اتحادية
*لوحة التشكلي المغربي محمد القاسمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *